لبعضهم : أنت فلان ، أنت فلانة ؟ فتدمع عينه ، ويومئ برأسه أن نعم « 1 » .
فما زالوا كذلك ثلاثة أيام ، ثم بعث الله عز وجل عليهم مطرا وريحا فجرفهم إلى البحر ، وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام ، وإنما الذين ترون من هذه المصورات بصورها فإنما هي أشباهها « 2 » ، لا هي بأعيانها ، ولا من نسلها .
ثم قال علي بن الحسين ( عليه السلام ) : إن الله تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك ، فكيف ترى عند الله عز وجل يكون حال من قتل أولاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهتك حريمه ؟ ! إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فإن المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب هذا المسخ .
فقيل : يا ابن رسول الله ، فإنا قد سمعنا مثل « 3 » هذا الحديث ، فقال لنا بعض النصاب : فإن كان قتل الحسين باطلا ، فهو أعظم من صيد السمك في السبت ، أفما كان يغضب الله على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟ ! قال علي بن الحسين ( عليه السلام ) : قل لهؤلاء النصاب : فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه ، فأهلك الله من شاء منهم كقوم نوح وقوم فرعون ، فلم لم يهلك إبليس لعنه الله ، وهو أولى بالهلاك ؟ فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس لعنه الله في عمل الموبقات ، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات ؟ ألا كان ربنا عز وجل حكيما وتدبيره حكمة « 4 » فيمن أهلك وفيمن استبقى ، وكذلك هؤلاء الصائدون في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين ( عليه السلام ) ، يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) * « 5 » .
ثم قال علي بن الحسين ( عليه السلام ) : أما إن هؤلاء الذين اعتدوا في السبت ، لو كانوا حين هموا بقبيح أفعالهم ، سألوا ربهم بجاه محمد ( صلى الله عليه وآله ) وآله الطيبين أن يعصمهم من ذلك لعصمهم ، وكذلك الناهون لهم لو سألوا الله عز وجل أن يعصمهم بجاه محمد وآله الطيبين لعصمهم ، ولكن الله عز وجل لم يلهمهم ذلك ، ولم يوفقهم له ، فجرت معلومات الله تعالى فيه على ما كانت مسطرة في اللوح المحفوظ .
وقال الباقر ( عليه السلام ) : فلما حدث علي بن الحسين ( عليهما السلام ) بهذا الحديث ، قال له بعض من في مجلسه : يا ابن رسول الله ، كيف يعاقب الله ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم ، وهو يقول : ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * « 6 » ؟ ! فقال زين العابدين ( عليه السلام ) : إن القرآن نزل بلغة العرب ، فهو يخاطب العرب فيه - أهل اللسان - بلغتهم ، يقول
هامش
( 1 ) في المصدر : برأسه بلا أو نعم .
( 2 ) في « س » : أشباحها .
( 3 ) في المصدر : منك .
( 4 ) في المصدر : بتدبيره وحكمه .
( 5 ) الأنبياء 21 : 23 .
( 6 ) الأنعام 6 : 164 .