الأضحى يوم واحد وهو يوم النحر خاصة ، وقد قيل الذبح إلى آخر يوم من ذي الحجة
وهو شاذ لا دليل عليه ، وكل هذه الأقاويل مروية عن السلف . وسبب اختلافهم : شيئان :
أحدهما : اختلافهم في الأيام المعلومات ما هي في قوله تعالى : * ( ليشهدوا منافع لهم
ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) * فقيل يوم النحر
ويومان بعده وهو المشهور ، وقيل العشر الأول من ذي الحجة ، والسبب الثاني : معارضة
دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن مطع ، وذلك أنه ورد فيه عنه عليه الصلاة
والسلام أنه قال : كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح فمن قال في الأيام
المعلومات إنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على
الحديث المذكور قال : لا نحر إلا في هذه الأيام ، ومن رأى الجمع بين الحديث والآية
وقال لا معارضة بينهما إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية ، مع أن الآية ليس
المقصود منها تحديد أيام الذبح ، والحديث المقصود منه ذلك قال : يجوز الذبح في اليوم
الرابع إذا كان باتفاق من أيام التشريق . ولا خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام
التشريق وأنها ثلاثة بعد يوم النحر ، إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال : يوم النحر من
أيام التشريق . وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين المتقدمين . وأما من قال يوم
النحر فقط فبناء على أن المعلومات هي العشر الأول قال : وإذا كان الاجماع قد انعقد أنه لا
يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر وهي محل الذبح المنصوص عليها فواجب أن يكون
الذبح إنما هو يوم النحر فقط .
وأما المسألة الثالثة : وهي اختلافهم في الليالي التي تتخلل أيام النحر ، فذهب مالك
في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام التشريق ولا النحر . وذهب الشافعي
وجماعة إلى جواز ذلك . وسبب اختلافهم : الاشتراك الذي في اسم اليوم ، وذلك أن مرة
يطلقه العرب على النهار والليلة مثل قوله تعالى : * ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ) * ومرة
يطلقه على الأيام دون الليالي مثل قوله تعالى : * ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام
حسوما ) * فمن جعل اسم اليوم يتناول الليل مع النهار في قوله تعالى : * ( ويذكروا اسم الله
في أيام معلومات ) * قال : يجوز الذبح بالليل والنهار في هذه الأيام ، ومن قال ليس يتناول
اسم اليوم الليل في هذه الآية قال : لا يجوز الذبح ولا النحر بالليل . والنظر هل اسم اليوم
أظهر في أحدهما من الثاني ؟ ويشبه أن يقال إنه أظهر في النهار منه في الليل ، لكن إن
سلمنا أن دلالته في الآية هي على النهار فقط لم يمنع الذبح بالليل إلا بنحو ضعيف من
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 351
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٥١