وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع ، وكذلك عنده الهدايا ، وأجاز الشافعي وأبو حنيفة
وجماعة أن ينحر الرجل البدنة عن سبع ، وكذلك البقرة مضحيا أو مهديا ، وأجمعوا على أن
الكبش لا يجزي إلا عن واحد ، إلا ما رواه مالك من أنه يجزي أن يذبحه الرجل عن نفسه
وعن أهل بيته لا على جهة الشركة بل إذا اشتراه مفردا ، وذلك لما روي عن عائشة أنها
قالت : كنا بمنى فدخل علينا بلحم بقر ، فقلنا ما هو ؟ فقالوا : ضحى رسول الله ( ص ) عن
أزواجه وخالفه في ذلك أبو حنيفة والثوري على وجه الكراهة لا على وجه عدم الاجزاء .
وسبب اختلافهم : معارضة الأصل في ذلك للقياس المبني على الأثر الوارد في الهدايا ،
وذلك أن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد ، ولذلك اتفقوا على منع الاشتراك في
الضأن ، وإنما قلنا : إن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد ، لان الامر بالتضحية لا
يتبعض إذ كان من كان له شرك في ضحية ليس ينطلق عليه اسم مضح إلا إن قام الدليل
الشرعي على ذلك . وأما الأثر الذي انبنى عليه القياس المعارض لهذا الأصل فما روي عن
جابر أنه قال : نحرنا مع رسول الله ( ص ) عام الحديبية البدنة عن سبع وفي بعض روايات
الحديث سن رسول الله ( ص ) البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فقاس الشافعي وأبو
حنيفة الضحايا في ذلك على الهدايا ، وأما مالك فرجح الأصل على القياس المبني على
هذا الأثر لأنه اعتل لحديث جابر بأن ذلك كان حين صد المشركون رسول الله ( ص ) عن
البيت ، وهدي المحصر بعدو ليس هو عنده واجبا وإنما هو تطوع ، وهدي التطوع يجوز عنده
فيه الاشتراك ، ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ، لكن على القول بأن الضحايا غير
واجبة فقد يمكن قيامها على هذا الهدي ، وروى عنه ابن القاسم أنه لا يجوز الاشتراك لا
في هدي تطوع ولا في هدي وجوب ، وهذا كأنه رد للحديث لمكان مخالفته للأصل في
ذلك ، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة ، وإن كان قد روي من
حديث رافع بن خديج ومن طريق ابن عباس وغيره البدنة عن عشرة . وقال الطحاوي :
وإجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن الآثار في ذلك
غير صحيحة ، وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته أو هديه لما
رواه عن ابن شهاب أنه قال : ما نحر رسول الله ( ص ) عن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة
واحدة وإنما خولف مالك في الضحايا في هذا المعنى ، أعني في التشريك لان الاجماع
انعقد على منع التشريك فيه في الأجانب ، فوجب أن يكون الأقارب في ذلك في قياس
الأجانب ، وإنما فرق مالك في ذلك بين الأجانب والأقارب لقياسه الضحايا على الهدايا في
الحديث الذي احتج به : أعني حديث ابن شهاب ، فاختلافهم في هذه المسألة إذا رجع إلى
تعارض الأقيسة في هذا الباب : أعني إما إلحاق الأقارب بالأجانب ، وإما قياس الضحايا
على الهدايا .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 349
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٤٩