تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلدان — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
وهم قتلوا كسرى بن قباذ بن هرمزد . فهذه حال خراسان قبل الإسلام . ثم أتى الله بالإسلام فكانوا فيه أحسن الأمم رغبة وأشدهم إليه مسارعة منّا من الله عليهم وتفضلا وإحسانا منه عليهم . فأسلموا طوعا ودخلوا فيه أفواجا وصالحوا عن بلادهم صلحا . فخفّ خراجهم وقلَّت نوائبهم ، ولم يجر عليهم سباء ولم يسقط فيما بينهم وبين المسلمين دم . ولما رأى الله عزّ وجلّ سيرة بني أمية بعد عمر بن عبد العزيز وظلمهم العباد وإخرابهم البلاد واستئثارهم بالفيء ، وعكوفهم على المعازف والملاهي واللذات ، وإعراضهم عما أوجب الله عليهم فيما قلَّدهم ، ابتعث جلودا من أهل خراسان جمعهم من أقطارها كما يجمع قزع الخريف وألبسهم الهيبة ونزع من قلوبهم الرحمة ، فساروا نحوهم كقطع الليل المظلم قد اتخذوا لبس السواد وأطالوا الشعور وشدّوا المآزر دون النساء حتى انتزعوا ملك بني أمية من أكبر ملوكهم سنا ، وأشدّهم حنكة ، وأحزمهم رأيا ، وأكثرهم عدة وعديدا ، وأعقلهم كاتبا ووزيرا ، وسلموه إلى بني العباس . وقد كان محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار ( 1 ) : أمّا الكوفة وسوادها ، هناك شيعة علي وولده . وأما البصرة فعثمانية تدين بالكفّ . [ تقول كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ] ( 2 ) . وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى . وأما أهل الشام فليس يعرفون إلَّا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان وعداوة راسخة وجهل متراكم . وأمّا مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . ولكن عليكم بأهل خراسان ، فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك [ 155 ب ] صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم يقدم عليها فساد
هامش
( 1 ) النص في عيون الأخبار 1 : 204 - 205 وهو لدى الجاحظ في رسالة مناقب الترك ( ص 480 من مجموعة رسائل الجاحظ : الرسائل السياسية ) . ( 2 ) في المختصر فقط .