شرح
علام الغيوب - إلى حال هذا الفرد كنسبة المكلف . وأخرى يكون حال
المولى بما هو مولى بالنسبة إلى الفرد المشكوك مختلفا عن خال المكلف ،
بمعنى أن نفس مولوية المولى تقتضي أن يكون أعرف بحال ذلك الفرد ،
كما لو كانت الشبهة المصداقية لدليل التخصيص شبهة حكمية في نفسها ،
فإن المولى بحكم كونه مولى أعرف بحكم الشبهة الحكمية ، كما إذا قيل ( كل
بيع صحيح ) وقيل في دليل مخصص ( إن البيع إذا وقع في وقت وجوب
صلاة الجمعة على البائع فلا يصح ) ، وشك في أن البائع المسافر هل تجب
عليه صلاة الجمعة أولا ؟ . فهذه شبهة حكمية في نفسها ولكنها شبهة
مصداقية بالنسبة إلى دليل التخصيص . وقد اخترنا في الأصول إن عدم
جواز التمسك بالعام المخصص في الشبهة المصداقية لدليل التخصيص يختص
بالنحو الأول ، لأن نكتة عدم الجواز لا تنطبق إلا عليه . وأما في النحو
الثاني من الشبهة المصداقية فيجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، وتحقيق
الكلام في المبني موكول إلى علم الأصول . والشبهة المصداقية التي نبهنا
عليها في المقام من قبيل النحو الثاني ، فيتمسك فيه بالعام أو المطلق ( 1 ) .
هامش
( 1 ) والوجه الذي أفاده سماحته - دامت ظلاله الوارفة - في علم
الأصول : أنه مهما كان الشك في الشبهة المصداقية للمخصص ذا اعتبارين :
فبلحاظ المخصص شبهة مصداقية بينه وبين العام ، وبلحاظ نفسه شبهة
حكمية - كما في مثال مطهرية الماء الذي يشك في حكم الشارع عليه بالنجاسة -
ففي مثل ذلك يجوز التمسك بعموم مطهرية كل ماء لاثبات مطهرية ذلك
الصنف من الماء المشكوك في نجاسته وطهارته ، لأن الخطاب العام بحسب
طهوره شامل له ، فيكون حجة بمقتضى أصالة العموم .
ولا يرد عليه ما أوردناه على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية التي
لا تكون شبهة حكمية في نفسها ، بل تكون متمحضة في المصداقية كما -
في مثل ( أكرم كل عالم ) الذي خصص بالمنفصل بغير الفساق ، وشك
في عالم هل هو فإنه لا يجوز فيه التمسك بعموم ( أكرم كل
عالم ) لاثبات وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته وفسقه .
فإن المانع الذي تصورناه هناك هو أن خطاب ( أكرم كل عالم )
لو أراد الدلالة على وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته وفسقه ، فهل
يدل على وجوب اكرامه ولو كان فاسقا ، بأن يدل على وجوب إكرامه
لأنه عالم سواء كان فاسقا في الواقع أم عادلا ، أو يدل على وجوب
اكرامه لأنه عادل ، بأن يدل مطابقة على وجوب إكرامه والتزاما على أنه
عادل ؟ . فهناك نحوان من وجوب الاكرام يتصور ثبوتهما للفرد المشكوك ،
وكلاهما لا يمكن اثباته بالعام .
أما النحو الأول : فلأنه يقطع بعدمه بعد ورود المخصص الدال على
أن موضوع الحكم ليس هو والعالم فقط ، بل العالم العادل ، فلو كان الحكم
ثابتا على الفرد المشكوك فلا بد وأن يكون بعنوان أنه عالم عادل .
وأما النحو الأول : فلأنه يقطع بعدمه بعد ورود المخصص الدال على
أن موضوع الحكم ليس هو العالم فقط ، بل العالم العادل ، فلو كان الحكم
ثالثا على الفرد المشكوك فلا بد وأن يكون بعنوان أنه عالم عادل .
وأما النحو الثاني : بأن يتمسك بظهور العام وشموله للفرد المشكوك
لاثبات وجوب الاكرام بالمدلول المطابقي واستكشاف أنه وجوب بملاك
كونه عادلا ، فيكون إخبارا عن تحقق موضوع الحكم بالمدلول الالتزامي .
فهذا أيضا غير صحيح ، لأن الشارع عند بيانه للأحكام على نحو القضايا
الحقيقية ليس في مقام الاخبار عن تحقق أفراد الموضوع خارجا وأن زيدا
عالم عادل أم فاسق ، فإنه ليس إلا في مقام تشريع أصل الحكم وجعله
على موضوعه بنحو القضية الحقيقية ، فهو في هذا المقام لا يعلم بعدالة زيد
أو فسقه حتى يخبر عن تحققها . نعم ربما يعلم بذلك من باب أنه عالم بالغيب
ولكن هذا ليس البناء على إعماله في مقام بيان الأحكام الشرعية ، فالشارع
بما هو متكلم بالكلام العام لا يمتاز عنا في تشخيص الموضوعات حتى
يكون في كلامه ظهور في أنه يثبت وجوب الاكرام له لأنه عادل ، فنسبة
المولى إلى هذه الجهة كنسبتنا إليها تماما ، فكما نشك في وجوب إكرامه
لكونه عادلا كذلك المولى شاك في ذلك ، فلا يمكن التمسك بخطابه لاثبات
هذا النحو من الوجوب فكلا النحوين من الحكم لا يمكن اثباته للفرد المشكوك
وليس في المقام نحو ثالث من الوجوب حتى يثبت بالعام .
هذا ملخص الوجه المختار في مقام المنع عن التمسك بالعام في الشبهة
المصداقية لمخصصه المنفصل ، وهو كما ترى مخصوص بما إذا كانت الشبهة
ذات اعتبار واحد ، بحيث تكون نسبة المولى إليها كنسبتنا إليها . وأما إذا
كانت الشبهة المصداقة شبهة حكمية في نفس الوقت - كما في مثال الماء
الذي يشك في طهارته ونجاسته بنحو الشبهة الحكمية لا الموضوعية - فلا يتم
فيها هذا البيان ، بل يكون ظهور العام الدال على مطهرية كل ماء شاملا
للفرد المشكوك ودالا بالالتزام على طهارته ، لأن بيان الشبهة الحكمية من
وظيفة المولى نفسه ، فهو بما هو مولى أعرف بحدودها وشؤونها ، وليست
نسبتها إليه كنسبتها إلينا . والمفروض أن خطاب المولى ظاهر بنفسه في شمول
هذا الفرد المشكوك واثبات حكم العام له ، لأن العموم يثبت الحكم على كل
فرد فرد بحيث يكون الشك في خروج فرد شكا في تخصيص زائد ، فلا بأس
أن يتمسك بأصالة العموم وعدم التخصيص الزائد ، ويكون دالا بالتزام على تحقق
الموضوع - وهو الطهارة - فيه ، وهو الطهارة - فيه ، وأن ثبوت الحكم إنما هو لكونه واجد للموضوع ،
بعد أن كان أمر هذا الموضوع بيد المولى نفسه جعلا ورفعا وسعة وضيقا .
وأما الوجوه الأخرى التي ذكروها للمنع عن حجية العام في الشبهة
المصداقية ، فغير تامة في نفسها فضلا عن تماميتها في أمثال المقام ، حيث
تكون الشبهة المصداقية حكمية أيضا ، كما هو موضح في البحث الأصولي .
هذا كله في العام ، وأما الخطاب المطلق الذي وفع الشك فيه بنحو
الشبهة المصداقية بينه وبين مقيده فلا يتم في حقه هذا البيان ، باعتبار أن
المطلق ليس فيه دلالة على ثبوت الحكم لكل فرد فرد من أفراد الموضوع
كي يتمسك بهذا الظهور بالنسبة إلى الفرد المشكوك ، وإنما الحكم قد انصب
في المطلق على الطبيعة ابتداء ، وانطباقها على الأفراد ليس إلا بحكم العقل
لا بدلالة اللفظ ، والمفروض إحراز التقييد في المطلق وأن الحكم بالمطهرية
مثلا مرتب على المأة الطاهر لا طبيعي الماء ، فعند الشك في فرد من المياه
هل هو طاهر أم نجس لا يمكننا اثبات الحكم فيه لا بدلالة اللفظ في المطلق
لأنه لم يكن شاملا للأفراد ، ولا بدلالة العقل وتطبيق الطبيعة على أفرادها
لأننا أحرزنا أن الطبيعة المأخوذة في موضوع الحكم مقيدة بالطاهر ، وهو
مشكوك الانطباق حسب الفرض .
ومن هنا نحتاج إلى تقريب آخر يوصلنا إلى نفس النتيجة في المطلقات
عند الشك بنحو الشبهة المصداقية بينها وبين مقيداتها . وحاصل ذلك
التقريب هو : أننا - وأن أحرزنا التقييد وأن الماء النجس ليس بمطهر في
المثال - عير أن هذا لا يتعين في أن يكون تقييدا لاطلاق مطهرية كل ماء
طالما نحتمل طهارة جميع المياه كما هو المفروض . والوجه في ذلك : هو
أننا نحتمل أن يكون المولى قد أحرز مساواة الطبيعة المطلقة خارجا مع الطبيعة المقيدة .
وهذا من شؤونه ، وهو أعرف به باعتبار أن القيد حكم شرعي في
نفسه والشبهة حكمية بهذا الاعتبار ، وليست نسبتها إليه كنسبتها إلينا على
ما تقدم . وبهذا الاعتبار قد جعل الحكم بالمطهرية على طبيعي الماء ، فيكون
الظهور الاطلاقي في المطلق كاشفا عن ثبوت الملاك في تمام موارد
انطباق الطبيعة ، وأن المطهرية ثابتة فيها لثبوت الطهارة فيها جميعا . وهكذا
نثبت بنفس الظهور الاطلاقي تحقق القيد في الفرد المشكوك كما كنا نثبته
في باب العموم .
نعم هذا البيان لا يتم فيما إذا أحرزنا تحقق مصداق للمقيد خارجا ،
كما لو أحرزنا نجاسة ماء البحر مثلا ، فإنه حينئذ لا يمكننا إثبات الحكم
في ماء آخر نشك في طهارته ونجاسته ، لأننا علمنا في مثل ذلك أن
الطبيعة المطلقة ليست مساوية مع الطبيعة المقيد التي هي موضوع الحكم
واقعا . ومعه لا معنى للتمسك بالظهور الاطلاقي لاثبات تحقق القيد ،
والملاك في تمام موارد انطباق الطبيعة ليثبت به ذلك في الفرد المشكوك .
وهذا بخلاف الحال في العام المخصص ، فإنه حتى لو علمنا فيه بتحقق
مصداق للمخصص خارجا وإن الطبيعة لا تساوي المقيدة ، مع ذلك يصح
التمسك بالعموم في الفرد المشكوك ، لأنه مشمول بنفسه لدلالة العام على
ثبوت الحكم لكل فرد فرد ، فيكون الشك فيه لا محالة شكا في تخصيص
زائد بلحاظ هذا الظهور منفيا بأصالة العموم ، لا باحتمال مساواة الطبيعة
المطلقة مع المقيدة حتى لا يتم ذلك في مورد القطع بعدم المساواة .
إلا أن هذا الفارق بين المطلق والعام غير مؤثر في المقام ، فإن
خطابات الأمر بالغسل ومطهرية الماء عن القذر - وإن كانت دلالتها
بالاطلاق لا بالعموم وقد علمنا من الخارج بعدم مطهرية الماء النجس
واشتراط الطهارة فيها - غير أنا لا نعلم بثبوت ماء نجس خارجا ، بل كل
ما ينطبق عليه طبيعة الماء نحتمل وجدانه لملاك الحكم وقيده ، وهو الطهارة
الذاتية . وعليه فلا مانع من التمسك بالظهور الاطلاقي في هذه الخطابات
لاثبات طهارة كل ماء .
إن قيل : اشتراط الطهارة في المطهر أمر ارتكازي عرفا ومتشرعيا ،
فيكون خروج الماء النجس عن دليل المطهرية بمثابة المخصص المتصل
لا المنفصل . وعليه فمن أول الأمر ظهور الخطاب لم يشمل غير الماء الطاهر ،
والمفروض الشك في انطباقه على الماء المشكوك ، فيكون التمسك به من
التمسك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لنفسه لا بينه وبين المخصص
أو المقيد ، وهذا مما لا يصح بلا إشكال .
قلنا : ارتكازية عدم مطهرية الماء النجس لا تكون مقيدة لاطلاق
أدلة مطهرية المياه ، بعد افتراض أننا احتملنا طهارة جميع أقسام المياه في
نفسها ، وأن حكم الشارع بالمطهرية على مطلق المياه كان بملاك إحراز
تحقق قيد الطهارة فيها ، فإن هذا الظهور الاطلاقي يكون رافعا لموضوع
المقيد ودالا على أن القيد - وهو الطهارة - محفوظ في تمام موارد انطباق
الطبيعة المطلقة ، وليس منافيا مع نفس التقييد واشتراط الطهارة في المطهر
حتى يرتفع بعد ثبوت التقييد .