الإسلام كدين في نفوس الناس ، فكان يعول بمئة بيت أو أربع مئة بيت من أهل المدينة ، مع أنه كان يقول ليس في المدينة عشرون بيتاً يحبوننا ! وأن هدف الإمام الباقر عليه السلام كان بناء الكتلة الواعية أو الأمة داخل الأمة ، فكان ينفق على خاصة أصحابه ، ويتصدق كل جمعة في المسجد بدينار .
لكن عمل الإمام زين العابدين عليه السلام كان كذلك أيضاً ، فكلاهما قام بترسيخ قِيَم الدين ككل واصطناع الأمة داخل الأمة، والفرق بين عملهما عليهما السلام في الدرجة وليس في النوع ، ويفهم ذلك من نص صحيفة الوصية ، فقد جاء فيه: ( فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين عليه السلام قبل ذلك ، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لمَّا حُجِبَ العلم . فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي عليهما السلام ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالى وصدِّق أباك وورث ابنك واصطنع الأمة ، وقم بحق الله عز و جل ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله) .
فعبارة: وصدِّق أباك.. للباقر عليه السلام تدل على أن الصمت والإطراق لأبيه عليه السلام ، هي أحد مضامين الصحيفة وليست كل دوره ، فقد جهر بالحق واصطنع الأمة ثم صدقه الإمام الباقر عليه السلام وبدأ بمرحلة جديدة في اصطناع الأمة ، حيث أمره الله تعالى أن يبقر علم النبوة ويفجر ينابيعه ، فرسَّخ قيم الإسلام في الأمة وقام بإعلاء صرح التشيع الذي شيده والده عليه السلام .
الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ، السيرة الكاملة — صفحة 71
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٧١