فلايصيب الغرض لكبر سنه فيشتفي منه !
فاعتذر أبي وقال: إني قد كبرت فإن رأيتَ أن تعفيني، فلم يقبل وقال: لا والذي أعزنا بدينه ونبيه ، ثم أومأ إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناولها منه أبي وتناول منه الكنانة فوضع سهماً في كبد القوس فرمى وسط الغرض فأثبته فيه ، ثم رمى الثاني فشق فوق السهم الأول إلى نصله! ثم تابع حتى شق تسعة أسهم ، فصار بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر فأنت أرمى العرب والعجم! زعمت أنك قد كبرت،كلا!
ثم ندم على مقالته وتكنيته له وكان من تكبره لا يكني أحداً في خلافته ! فأطرق إطراقة يرتئي فيه رأياً ، وأبي واقف إزاءه ومواجه له وأنا وراء أبي ، فلما طال الوقوف غضب أبي وكان إذا نظر السماء نظر غضبان يتبين الغضب في وجهه !
فلما نظر هشام ذلك من أبي قال: إصعد يا محمد فصعد أبي السرير وصعدت ، فلما دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي، وأقبل على أبي بوجهه وقال: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ولله درك ، من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته؟! فقال أبي: قد علمتَ أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت إليه ، فقال: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن أحداً في أهل الأرض يرمي مثل هذا ! فأين رميُ جعفر من رميك؟ فقال: إنا نتوارث الكمال والتمام والدين اللذين أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله في قوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً.
والأرض لا تخلو ممن يكمل دينَه