الفصل العشرون : معالم التشيع في حديث الإمام الباقر ٦٩٩
فلا يصيب الغرض لكبر سنه فيشتفي منه !
فاعتذر أبي وقال : إني قد كبرت فإن رأيتَ أن تعفيني ، فلم يقبل وقال : لا والذي أعزنا
بدينه ونبيه ، ثم أومأ إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناولها منه أبي وتناول
منه الكنانة فوضع سهماً في كبد القوس فرمى وسط الغرض فأثبته فيه ، ثم رمى الثاني
فشق فوق السهم الأول إلى نصله ! ثم تابع حتى شق تسعة أسهم ، فصار بعضها في
جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر
فأنت أرمى العرب والعجم زعمت أنك قد كبرت ، كلا !
ثم ندم على مقالته وتكنيته له وكان من تكبره لا يكني أحداً في خلافته ! فأطرق
إطراقة يرتئي فيه رأياً ، وأبي واقف إزاءه ومواجه له وأنا وراء أبي ، فلما طال الوقوف
غضب أبي وكان إذا نظر السماء نظر غضبان يتبين الغضب في وجهه !
فلما نظر هشام ذلك من أبي قال : إصعد يا محمد فصعد أبي السرير وصعدت ، فلما دنا
من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ،
وأقبل على أبي بوجهه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام
فيهم مثلك والله درك ، من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته ؟! فقال أبي : قد علمت
أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير المؤمنين مني
ذلك عدت إليه ، فقال : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن أحداً
في أهل الأرض يرمي مثل هذا ! فأين رمي جعفر من رميك ؟ فقال : إنا نتوارث
الكمال والتمام والدين اللذين أنزل الله تعالى على نبيه لله في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام ديناً والأرض لا تخلو ممن يكمل دينه
