فيا لله ماذا يعني تاج الدين السبكي من قوله : " تعطيل ذات الله مع نفي
الصفة " فإن أحدا من المسلمين لا يعطل الذات عن الوصف بالعلم والقدرة
والحياة والسمع .
نعم إن عنى من تعطيل الذات نفي وصفه سبحانه بالأوصاف الخبرية
بمعانيها اللغوية كاليد والرجل والنزول ووضع القدم في الجحيم ، فإن هذا ليس
تعطيلا بل مرجعه إلى التنزيه مع عدم التعطيل بجعلها كناية عن المعاني الأخر ،
تبعا لأسلوب الفصحاء والبلغاء والذكر الحكيم ، كلام فصيح وبليغ ، ليس فوقه
شئ فلا يعد مثل ذلك تعطيلا . نعم ، من يحاول وصفه سبحانه بهذه الصفات
بمعانيها اللغوية ، ويقول : إن لله تبارك وتعالى يدا ورجلا ونزولا وحركة
بالمعنى الحقيقي ولكن لا تعرف كيفيتها ، يحاول الجمع بين المتضادين فإن
مقتضى الحمل على المعاني اللغوية سيادة تلك المعاني على موردها
ومقتضى نفي الكيفية نفي معانيها اللغوية ، فكيف يعدون أنفسهم من المثبتين
وأهل التنزيه من المعطلة .
ولا يقاس ذلك بوصفه سبحانه بالعلم والقدرة مع عدم العلم بالكيفية ،
لأن الكيفية فيهما ليست مقومة لواقعهما ، فالعلم بمعنى انكشاف الواقع ، وأما
كونه عرضا أو جوهرا ، حالا أو محلا ، فليست مقومة لمفهومه حتى يرجع نفي
الكيفية إلى نفي واقع العلم ، وهذا بخلاف اليد فإنها بلا كيفية ليست يدا لغة .
وأظن أنه لو انعقد مؤتمر علمي في جو هادئ واستعدت الطائفتان للتأمل
في براهين النفاة لقل الخلاف وتقاربت الطائفتان .
نعم إن خلافا دام قرونا لا ينتفي بأسبوع أو شهر أو بعقد مؤتمر أو
مؤتمرين ، ولكن الرجاء تقريب الخطى وعدم تكفير إحدى الطائفتين الطائفة
الأخرى .
أوليس الأولى لنا ألا نقسم رحمة ربنا وعذابه وجحيمه بيننا كما قسمه
الإسكندري في تعليقته على الكشاف ونتركه إلى الله سبحانه فهو أعلم بمن في لظى
البدعة ، مفهومها ، حدها وآثارها — صفحة 395
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٩٥