إما أن تكون صحيحة أو فاسدة ، فإن كانت صحيحة ، فلا شك أنها لا تفسخ بالجنون ، فإن جُن المولى ، فالكتابة لازمة من جهته ، فلا يؤثر الجنون في رفعها ، وإن جن المكاتب ، فالكتابة وإن كانت جائزة من جانبه ، فهي مُفضية إلى اللزوم ، والبيع في زمان الخيار لا ينفسخ بطريان الجنون على المتعاقدَيْن ، أو على أحدهما ؛ لإفضاء البيع إلى اللزوم .
ولكن يترتب على الجنون الطارىء في الكتابة ما نصفه ، فنقول : إن قبض المولى في حال الجنون النجمَ ، لم يصح قبضُه ، ولم يترتب عليه العتق ؛ فإنه لا يصح القبض منه ، ولو تلف في يده ما أقبضه المكاتَب ، فلا ضمان ؛ فإن المكاتَب هو الذي ضيّع المال بوضعه في يد مجنون ، ولو قبض القيّم النجمَ ، تعلق الحكم بقبضه ، وترتب على النجم الأخير حصولُ العَتاقة .
وإن سلّم المكاتب إلى المولى المجنون ، فله أن يسترده منه ؛ فإن حصوله في يده لم يُفده أمراً ، بل هو متعرض للتَّوى ( 1 ) والضياع .
ولو جُن المكاتَب والمولى عاقل مستقل بقبض النجم من المجنون ، قال الأصحاب : القبض صحيح ، وعوّل المحققون في تعليل ذلك على أن قبض النجم مستحَق ، ولو أخذه المولى من غير إقباضٍ من المكاتب ، لوقع القبض موقعه ، فوجود الإقباض وعدمِه من المكاتب بمنزلة .
وهذا يحتاج إلى فضل بيان : فإن عسُر على السيد الوصولُ إلى حقه إلا من جهة قبض ما يصادِف ، فله ذلك ، وإن أمكنه مراجعةُ من ينصبه القاضي ناظراً للمكاتَب ، فلا وجه لاستبداده بالقبض عندنا ، ولو استبد ، لم يصح ، وإذا كان لا يصح استبداده ، فلو أقبض المجنونُ ، لم يكن لإقباضه حكم ، وفي كلام القاضي وغيره ما يدل على أن المولى يقبض النجم من غير فرض قيّم ؛ ولعل الأئمة أثبتوا للمولى في هذا المقام حقَّ القيام بما يُحصِّل العتاقة ( 2 ) ، وهذا بعيد إن ظنه ظان . ولا وجه إلا
هامش
( 1 ) التوى : الهلاك .
( 2 ) عبارة الغزالي في البسيط : " وكأن الأصحاب رأوا كون السيد ولياً له ؛ فلم يحوجوه إلى القاضي " .