فعلى هذا لو أراد المدعي أن يحلِّفه ، فكيف السبيل ، وما الوجه ؟ هذا لا يتبين إلا بإيضاح أصلٍ ، وهو أن المُقِرّ لو أراد الرجوع عن إقراره والمقَر له مصدق ، لم يجد إلى ذلك سبيلاً . ولو كذّب المقَر له المقِر ، ثم بدا له ، فصدقه ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - لا يُقبل ذلك ، حتى يجدد المقِر إقراراً آخر ، وهو الذي ذكره القاضي ؛ فإن الإقرار الأول ارتد ، وبطل بالتكذيب ، فلا بد من إقرار جديد . والوجه الثاني - أنه مهما ( 1 ) صدّقه ، زال أثر التكذيب ، واستقر الإقرار .
وهذا ينشأ من أصلٍ ، وهو أن التوكيل بالتصرف إن لم يشترط فيه القبول ، فيشترط عدم الرد ، فلو رد ، بطل ، ولا بد من توكيلٍ جديد إن أراد أن يتصرف ، وسبب ذلك أن التوكيل عقد يتطرق إليه الفسخ والاستمرار ، والإقرار من وجهٍ يشبه الوكالة ، ولا يشبهه من وجه ؛ لأنه ليس عقداً ، وإنما هو إخبار ، ويجوز فرض التصديق فيه بعد التكذيب .
وحاصل القول أن من أقر لغيره ، وصح الإقرار ، لم يملك الرجوع ؛ لأنه برجوعه يُبطل حق غيره ، وإذا قال قولاً يتضمن انتفاء ملكه ، ثم رجع وقوله الأول لم يُثبت لغيره حقاً ، ففي رجوعه عنه التردُّدُ الذي ذكرناه .
ومما نذكره الآن أنا إن أزلنا يد المقر ، فقد قطعنا سلطانه بالكلية ، حتى لو أراد الرجوع عن إقراره ، لم يجد إليه سبيلاً ، وإن بقّينا الدار تحت يده ، فأراد الرجوع عن إقراره ، هل يقبل رجوعه والمقر له مكذّب ؛ إن قلنا : لو عاد المقر له إلى التصديق ، لم يقبل ذلك منه ، فلو كذب هذا المقِر نفسَه ، لم يقبل منه ؛ فإنه نفى الملك عن نفسه ، فلا يقبل منه نقيضُ ذلك [ كالمقر له ] ( 2 ) وإن قلنا : المقَر له لو صدّق المُقِرَّ بعد التكذيب ، قُبل منه ، فالمقِر لو كذَّب نفسه - والمقر له مصرّ على التكذيب ، أو مات عليه ، وأيس من تصديقه - ففي رجوع المقِر الترددُ الذي ذكرناه . وإن قبلنا رجوع المقِر ، فرجع ، فقال المُقَر له : صدقت في إقرارك الأول ، وكذبت في رجوعك ، فهذا فيه تردد ، وظاهر قول القاضي أنه لا مبالاة بقول المقر له .
هامش
( 1 ) مهما : بمعنى إذا .
( 2 ) في الأصل : " المقر له " .