تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
التواتر إذا كان لا يوجب العلم الباطن - وهو العلم حقاً - فالعماد ( 1 ) أمر يرجع إلى العادة في إثارة غلبات الظنون ، وهذا يُكتفى فيه بالإشاعة ، وعدم النكير . ثم إن العراقيين جاوزوا الحدَّ ، وقالوا : لسنا نشترط السماعَ من شاهدين أيضاً ، بل نكتفي بدون ذلك ، فنقول : إذا رأى الرجل رجلاً ، وفي يده صبي صغير ، وهو يصرح باستلحاقه ، فتجوز الشهادة على نسبه بمجرد ذلك ، وكذلك لو قال لكبير : هذا ابني ، وذلك الشخص ساكت لا يرد عليه ، فتجوز الشهادة على النسب بذلك ، وكذلك لو قال بالغٌ هذا أبي ، وسكت ذلك الشخص ، فتجوز الشهادة على النسب بينهما . وهذا في قياس الفقه خطاً صريح ؛ فإن قول الشخص الواحد - من غير إشاعة - في حكم الدعوى ، حيث ذكروه ، ونحن وإن كنا نثبت نسب المنبوذ بالدِّعوة ( 2 ) ، فيستحيل أن نجوّز اعتمادها للشهادة على النسب مطلقاً . نعم ، يشهد الشاهد على الدِّعوة ، ثم يقع الحكم بموجبها . فهذا ما أردنا ذكره في معنى التسامع . 12048 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن من أصحابنا من يُلحق الانتماء إلى الأم بالانتساب إلى الأب في جواز اعتماد التسامع . ومنهم من قال : الانتماء إلى الأم بطريق الولادة لا يثبت بتسامعٍ ؛ فإن العِيان في الولادة ممكن ، بخلاف الانتساب إلى الأب . وهذا الخلاف قريب المأخذ من تردد الأئمة في أن المرأة إذا ادعت مولوداً مجهولاً ، فهل تثبت الأمومة بالدِّعوة المجردة ، كما تثبت الأبوة بها ، وسيأتي ذكر هذا في باب [ القائف ] ( 3 ) ، إن شاء الله عز وجل . ثم قال الأئمة : الشهادة اعتماداً على التسامع إنما تفيد إذا كان صَدَرُها من بصير ، فيقول : هذا ابن هذا ، وقد يطلق المطلِق أن ما يُعتمد السماعُ ، فالأعمى فيه كالبصير ، وهذا ليس يصدر عن تثبت ؛ فإن الأعمى لو قال : زيد هو ابن عمرو ،
هامش
( 1 ) العماد : أي المعتمد ، والمطلوب لبناء الشهادة عليه . ( 2 ) الدِّعوة : بالكسر : ادعاء الولد ( المصباح ) . ( 3 ) في الأصل : " القاذف " .