تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
ثم قال العراقيون : لو شهد الشاهد بمجهول لا تقبل الشهادة بمثله ، فالقاضي لا يرشده إلى الإعلام بالمساءلة والبحث ؛ فإن هذا تلقينُ الحجة ، ولو شبب المدعَى عليه بما يكاد أن يكون إقراراً لم ينبّهه القاضي ، ولم ينهه ، بل يتركه يسترسل في كلامه ، ثم يقضي بموجَب قوله . 11927 - والمدعي إذا ذكر دعوى مجهولة لا يصح مثلها ، فهل للقاضي أن يستفصل الصفات حتى يأتي بدعوى معلومة ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أنه لا يعرض له ، بل يترك المدعي وشأنَه ، فإن استتم الكلام مشتملاً على دعوى صحيحة ، بنى عليها حكمها ، وإن لم تصح دعواه ، لم يقبلها . ومن أصحابنا من قال : له أن يستفسر ، وإن كان الاستفسار يؤدي إلى إرشاده إلى إعلام الدعوى - فإذا ادعى عشرة دنانير على إنسان ، وقال يلزمه تسليمها إليّ ، فالقاضي يقول : أي الدنانير ؟ نَيْسابورية ، هَرَوية ، عتيقة ، مكسرة ، صحاح ، أم البعض مكسر والبعض صحاح ، فلا يزال كذلك حتى يأتي المدعي بتمام الإعلام ، أو يقول : لا أدري . وظاهر النص يميل إلى هذا الوجه ، ووجهه أن الدعوى ليس بحجة ، فالإرشاد فيها على صيغة الاستعلام غيرُ ضائر ، ولا ينبغي أن يقول له القاضي : قل كذا وكذا ، وكيف يقول ذلك ، ولا علم عنده بصفة الدعوى ، فإن انتهى الاستفصال إلى إزالة الإشكال ، قرّت الدعوى ، وإن وقف المدعي قبل تمام الإعلام ، فالدعوى مجهولة مردودة . هذا قولنا في إعلام الدعوى ، فإذا أعلمها المدعي ، فلا تُسمع دعواه ما لم يجعلها خصاماً . وبيانه أنه لو قال : لي على فلان كذا ، فهذا خبر ، وليس بمخاصمة ، وإنما تصير الدعوى مخاصمة ، إذا قال : عليه كذا ويلزمه تسليمها إليّ ، ثم تبيّن للقاضي أنه يبغي استيداءَها منه ، ولو اقتصر على هذا القدر ، ففيه نظر للفطن ، يوضحه ما نذكره .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 500 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب