تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وإذا حلف لا يهب ، فوهب وقبِل المتهب ، فهل يتوقف الحنث على الإقباض ؟ اختلف أصحابنا فيه على ما حكاه القاضي : فقال بعضهم : يحنث ؛ لأن اسم الهبة يتم بهذا القدر ، وقال آخرون : لا حقيقة للهبة حتى يتصل بها القبض ؛ لأن القبض هو الركن ، وبه حصول المقصود ، والألفاظ تعنى لمقاصدها . وقد ذكر العراقيون الخلاف على وجه آخر ، فقالوا : إذا حصلت الهبة والقبول ، فالذي جرى هبة في حكم الحنث والبر ، بلا خلاف ، وإنما التردد فيه إذا قال الحالف وهبت ، فهل نقول : يحصل الحنث بمجرد قول الواهب قبل القبول ؟ قالوا المذهب أن هذا ليس بهبة ، وحكَوْا عن ابن سريج وجهاً أنه إذا قال : لا أهب ، ثم وهب ، حصل الحنث ، وإن لم يقبل المتهب ، مصيراً إلى أن الإنسان قد يخبر عما جرى ، ويقول : وهبت لفلان ، فلم يقبل مني ، ولا شك أنهم يطردون هذا الخلاف في البيع وغيره من العقود المشتملة على الإيجاب والقبول . ولو قال : لا أهب ، ثم أضاف الشخص المذكور ، وقدم إليه الطعام ؛ فإن لم يأكله ، فلا حنث ، وإن أكله ، فهذا يخرج على أن الضيف هل يملك ما يأكله ؟ إن قلنا : إنه لا يملكه ، فالذي جرى ليس بهبة ، وإن قلنا : إنه يملك ، ففيه تردد واحتمال ، من جهة حصول الملك من وجه ، وبُعد ما جرى عن اسم الهبة من وجه ، والوجهُ القطع بأن الحنث لا يحصل . 11824 - ولو كان المحلوف عليه التصدق مثل أن يقول : لا أتصدق ، فلو وهب ، ولم يقصد التصدق الذي يقع التقرب به ، ففي المسألة وجهان : أصحهما - أنه لا يحنث ؛ لأن الهبة لا تسمى صدقة ، وإن كانت الصدقة تسمى هبة . ومن أصحابنا من قال : يحنث بالهبة ؛ فإنها تمليك من غير عوض ، وهي في الاسم قريبة المأخذ بالإضافة إلى الصدقة ، وهذا لا وجه له ، والوجه ألا يحنث بالهبة إذا كان المحلوف عليه الصدقة . واختار القاضي التحنيث بالهبة مصيراً إلى أن الهبة لا تخلو عن ثواب كالصدقة ، وهذا الاختيار لا يليق بمنصبه مع القطع بتحليل الهبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحريم الصدقة عليه .