" أما إني نهيتكم للدافّة التي دفّت إلى المدينة - وأراد طائفة من الفقراء والمحاويج كانوا دخلوا المدينة لإضاقة أصابتهم - ثم قال : ألا ، فكلوا وادّخروا ، وائتجروا " ( 1 ) . فذكر ثلاثَ جهات ، وأشعر قوله بأن التصدق بالثلث .
ثم هذا الفصل وإن كان من الجليات ، فيجب التحفظ فيه عن الزلل . ونحن نقول : لم يصر أحد من الأصحاب إلى وجوب التصدق بالثلث أو النصف ، ومنهم من لم يوجب التصدق أصلاً ، وجوّز أكل الكل ، ومن أوجب التصدق ، اكتفى بما ينطلق عليه الاسم ، وإن قل ، ثم تلك الصدقة التي نراها مفروضة يجب صرفها إلى المساكين ، ويكفي صرفها إلى مسكين واحد ، فإنَّا لا نرى في الشرع لذكر الجمع في هذا الباب أصلاً ، والتردد في الثلث والنصف آيل إلى إحياء الشعار ، وبيان المستحب ، وذكرنا استحباب أكل شيء ، ولا ينتهي القول فيما نستحبه إلى نصف ولا إلى ثلثين ، ولكن كلما قَلَّ المأكول ، وكثر المتصدق به ، كان أحسن وأفضل .
فإن قيل : ما وجه جواز أكل الكل ؟ قلنا : نحن في المتطوع به ، وقد يبعد في نفس الفقيه وجوب التصدق من غير نذر .
ومن تأمل هذا ، غمض عليه وجه وجوب التصدق بمقدار ، ولا خلاف أن الضحية إذا ذبحت وكانت منوية غير متعيّنة لفظاً ولا منذورة ، [ فليست ] ( 2 ) هي شاةَ لحم ، حتى يجوز بيعها ، كما سنصف ذلك في فنٍّ مفرد ، ثم ما يجوز أكله يجوز صرفه إلى الأغنياء على جهة الإطعام ، ولا نحسب ما يُطعمه الأغنياء مما يُستَحَب
هامش
( 1 ) حديث نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل من الأضحية للدّافّة التي دفّت إلى المدينة ثم الإذن فيه وقوله " فكلوا وادّخروا وائتجروا " رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها ، ولفظه ( فكلوا وتصدقوا ، وادخروا ) وفي الباب عن جابر ، وسلمة بن الأكوع ، متفق عليهما ، وعن بريدة وأبي سعيد عند مسلم ، أما برواية ( وائتجروا ) فمن حديث نبيشة الهذلي ، رواه أحمد ، وأبو داود . ( ر . مسلم : الأضاحي ، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي ، ح 1971 - 1977 ، البخاري : الأضاحي ، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزوّد منها ، ح 5567 ، 5569 ، أحمد : 5 / 75 ، أبو داود : الأضاحي ، باب في حبس لحوم الأضاحي ح 2812 ، التلخيص : 4 / 265 ح 2408 ) .
( 2 ) في الأصل : " وليست " .