تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
والذي يعترض في النفس بعد هذا التنبيه أن الجارحة التي تصيد لو كانت على شِبع ، لم تبرح في صَوْب الصيد قِيد فِتْر ، وإن أشلاها صاحبها ، وإنما تنتهض على الجوع ، فلا يخفى أيضاً أنها إذاً تتشوّف إلى ما تطعم ، والطبيعة تحركها لذلك ، [ وإذا هي ] ( 1 ) أمسكت الصيد ، فالداعية التي تحملها على الإمساك ما قدّمناه من تشوفها إلى مَطْعم تسدّ به الكَلَب وسوْرةَ الجوع ، غير أنها إذا ضُربت على الأكل ، تذكرت عند إمساك الصيد الضربَ ، فانكفت من خيفة الضرب ، لا لتسلّم الفريسة إلى صاحبها . والكلْبُ أيسر الجوارح وأفطنها وأحراها بأن يتذكر ما سبق من ضربه ، وقيل : إن الكلب الحارس يُجدع أنفه ليلاً ، فلا يجنّ الليل إلا ويتذكر ما جرى عليه ، فيدأب طول الليل حارساً ، مستشعراً كلما سمع حساً تذكّر ما ألمّ به من ألم الجدْع . هذا هو التحقيق ، فليقطع المرء بأن الكلب [ لا يمحِّض ] ( 2 ) قصده في الصيد لصاحبه ، بل لو قيل : لا ينطوي على ذلك إلا فكرُ عاقلٍ ، لكان سديداً ؛ إذ ليس في البهائم وإن كانت على حظٌّ من التمييز إلا ما يحركه من الطباع ، ثم إنها تتعلق بطرف ضعيف من المَيْز ، ثم ( 3 ) تَصوّرَ الآدميُّ فيما تطلبه الجارحة وتحاذره إمساكَ الصيد والانكفاف . فيجب - على القطع - تأويلُ السنة والكتاب وتنزيلهما على ما ينزل عليه معظم الظواهر المتعلقة بأغراض الخلق ، فالرحمة في [ حق الإله ] ( 4 ) ليست [ رقةً ] ( 5 ) ولا ميلاً ، والغضب ليس التهاباً وتلظِّياً ، ولكن من يرحم منا ينعم ، ومن يغضب
هامش
( 1 ) في الأصل : " وإذا هش " . وهو تصحيف غريب من مثل هذا الناسخ الذي تميز بالفهم والوعي بما يكتب . ! ! ( 2 ) في الأصل : لا " يخص " . ( 3 ) ه‍ 4 : " ثم يأتلف للآدمي مما تطلبه الجارحة ، وتحاذره . . . إلخ " والمعنى واحد . وهو أن الجارحة لا تمحض قصد الصيد لصاحبها ، ولكن الإنسان يتصوّر ذلك منها ، لما يراه من تصرفها بين تحريك الطباع لها ، وخوفها من معلِّمها ، ولكنها لا تمسك لصاحبها على الحقيقة ، فوجب تأويل النصوص . ( 4 ) في النسختين : " حكم الإله " والمثبت تصرّفٌ من المحقق ، لمناسبة المعنى والسياق . ( 5 ) زيادة من ( ه‍ 4 ) حيث سقطت من الأصل .