تَوَلَّى * وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى * أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى
« 1 » في عثمان رضى اللّه عنه ، كان يتصدّق وينفق في الخير ، فقال له أخوه من الرضاعة عبد اللّه بن أبي سرح :
ما هذا الّذي تصنع ؟ يوشك أن لا يبقي لك شيئا . فقال عثمان : إنّ لي ذنوبا وخطايا وإنّي أطلب بما أصنع رضا اللّه تعالى وأرجو عفوه . فقال له عبد اللّه :
أعطني ناقتك وبرحلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها . فأعطاه وأشهد عليه وأمسك وعن بعض ما كان يصنع من الصدقة ؛ فأنزل اللّه تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . . . ؛
فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله » .
وذكره جمع من المفسّرين « 2 » .
قال الأميني : لا غرابة من ابن أبي سرح وقد تشاكلت أحواله يوم كفره وإسلامه وردّته وزلفته من عثمان على عهد خلافته إن لهج بهذه السخافة الّتي لا تلائم أيّا من نواميس العدل ؛ ولكن إن تعجب فعجب قبول عثمان تلكم الخرافة منه ، ومنحه إيّاه ناقته برحلها على أن يحمل عنه ذنوبه
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 3 » ، وإشهاده عليه وإمساكه عن الصدقات ، وحسبانه أنّ ما قاله ذلك الساخر كائن لا محالة ، كأنّ بيد ابن أبي سرح أزمّة الحساب ، وعنده مقاليد يوم القيامة ، وهو الخبير بما يكون فيه ، فأنبأه بأنّ ذنوبه محيت بتلك المبادلة أو أنّ عثمان نفسه كان يعلم الغيب ، فهو يرى أنّ ما يقوله حميمه حقّ ، وكأنّه نسي قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) - النجم : 33 - 35 .
( 2 ) - راجع أسباب النزول للواحدي : 298 [ ص 267 ] ؛ الجامع لأحكام القرآن 17 : 111 [ 17 / 73 ] ؛ الكشّاف 3 : 146 [ 4 / 427 ] ؛ غرائب القرآن للنيسابوري ، هامش للطبراني 27 : 50 [ 6 / 209 ] .
( 3 ) - الأنعام : 164 .
( 4 ) - العنكبوت : 12 و 13 .