وإن قلنا : إنه لا يزيل الولاية ، فينبغي أن يُعتبر بطويل السفر وقصيره ، فإن كانت مدته تبلغ مدة خروج من يخرج إلى الولي ، لو قدّر غائباً في مسافة القصر ويعود على اعتياد واقتصاد في النهوض والعَوْد ، فهذا على حد السفر الطويل ، فلا يزوِّج البعيدُ ، ويزوِّج القاضي ، وإن كانت مدة الإغماء دون المدة التي ذكرناها في قطع مسافة القصر ذهاباً وإياباً ، فالمعتبر فيه مسافة العدْوَى وما فوقها ، ولا يخفى مع هذا التنبيه دَرْكُ محل الوفاق والخلاف ( 1 ) .
وقد يعترض في هذا النظرِ أن الرجوع في مدة الإغماء إلى من ؟ وهذا الاعتبار قبل انقضاء المدة ، فلا وجه إلا الرجوع إلى قول أهل الخبرة ، وذلك يختلف عندهم بنوع الإغماء والشخص المُغْمى عليه ، وإنما تطول المدد في إغماء المُبَرْسم ؛ فإن سبب اختلال العقل ورمٌ في الدماغ ، والعقلُ يبقى على خبله ما بقي الورم ، وقد يتمادى اليومين والثلاثة ، هذا حُكم الإغماء .
7909 - ومما يتصل بذلك الجنون إذا تقطّع ، فكان الشخص يجن يوماً ويُفيق يوماً ، أو كانت النوب أكثر من ذلك أو أقل ، فشرح هذا يأتي في كتاب الجزية ، إن شاء الله عز وجل ، وفيه نجمع جملة ما ذكره الأصحاب في الطرق ، ولكنا نذكر هاهنا ما فيه مقنع .
اختلف أصحابنا في نوبة الجنون : فذهب ذاهبون إلى أن الولاية تزول فيها ، وتنتقل إلى البعيد ( 2 ) ، ومنهم من قال : إنها لا تؤثر في إزالة [ الولاية ] ( 3 ) ؛ فإن الجنون الحقيقي هو الذي [ يُطبق ] ( 4 ) حتى لا يرجى زواله إلا على بُعد ، فأما ما يطرأ ويزول على قرب أو على نُوَبٍ مضبوطة ، فهو من فنّ الإغماء ، وقد يُفضي الإغماء بالمغمى عليه إلى سقوط النطق والانتهاء إلى الهذيان . وذلك الذي وعدناه في الإغماء هذا
هامش
( 1 ) حكى الرافعي والنووي هذا التفصيل ، واعتبار مدة الإغماء بزمن السفر القصير والطويل ، ورضياه ( ر . الشرح الكبير : 7 / 551 ، والروضة : 7 / 163 ) .
( 2 ) هذا هو الأصح . قاله النووي . ( ر . الروضة : 7 / 62 ) .
( 3 ) في الأصل : البداية .
( 4 ) في الأصل : يطالق .