فأمّا إذا أقر بالرق لواحدٍ ، فكذبه المقرّ له ، فلو أقر بالرق لآخر ، فهل يُقبل إقراره الثاني ؟ قال الشافعي فيما حكاه العراقيون : لا يُقبل إقراره الثاني أصلاً ؛ فإنّا حكمنا بعتقه لما رَدّ إقرارَه ، وكأن العبد رجع إلى يد نفسه - لو قدرنا الرق - وحكمُ ذلك العتقُ ، وليس هذا عتقاً على التحقيق يُعقب ولاء ، وإنما هو تقديرٌ أطلقناه .
وقال ابن سريج يقبل إقراره للثاني ، كما [ لو ] ( 1 ) أقرّ بثوبٍ لواحدٍ ، فردّه ، ثم أقر به لآخر .
وفيما استشهد به ابن سريج نظرٌ ، وترددٌ للأصحاب ، ذكرناه في كتاب الأقارير .
على أن الفرق ظاهرٌ ؛ فإن الثوب لا يفرضُ إلا مملوكاً ، وأما الحرية ، فإنها الأصل في بني آدم ، وفي حصولها حقٌّ لله تعالى ؛ فإن حقوق الله تعالى تكثر على الأحرار ، وفي ردّ الحرية ردُّها .
6185 - ومما يتفرع على هذا المنتهى ، أنا إذا ردَدْنا إقراره للثاني ، فلو ادّعى مدَّعٍ عليه الرقَّ ، [ فلا ] ( 2 ) تُقبل دعواه من غير بينة . [ و ] ( 3 ) هذا على نص الشافعي ظاهر ، وليس للمدّعي أن يحلّفه ؛ فإن الحلف يفرض لتوقع الإقرار ، فإذا كان إقراره مردوداً ، فلا معنى للحلف ، ولو قدر نكوله ، لكانت يمين الرد بمثابة الإقرار ، فإذا كان الإقرار مردوداً ، فلا معنى لهذا التقدير .
فإن ذهب ذاهب إلى أن يمين الرد بمثابة البيّنة ، فقد يرى التحليف لتقدير النكول ، حتى إذا فرض النكول ، أثبتت عليه يمين الرّد . وهذا ضعيف ، لما ذكرناه من تعلّق حق الله تعالى بالحرية . والله أعلم .
. . .
هامش
( 1 ) سقطت من الأصل .
( 2 ) في الأصل وحدها : هل تقبل دعواه من غير بينة .
( 3 ) ساقطة من الأصل وحدها .