فإن كان في الطريق مراحل معلومة ، بالمناهل والرباطات ، والقُرى ، أو بالأميال ، والبُردُ والصُّوى ( 1 ) ، فالعقد صحيح محمول على موجب العادة والكلام في كيفية تسيير الدابة استحثاثاً وتزجيةً ، مردودٌ إلى العادة ، وهو مضبوطٌ ، لا يعدّ من المجاهيل ، فإذا تقيّد المسير بالعرف ، والمراحل المرتبة في الطريق ، فلا مزيد ولا نقصان إلا عن تراضٍ من المكري والمكتري .
5228 - ومما يتعلق بما نحن فيه الكلامُ في زمان السير والسُّرَى ( 2 ) ، فإن بيّناه شرطاً في العقد ، اتّبعناه ، وإن أعرضا عن ذكر الزمان ، وأطلقا العقدَ ، فالعادة يُكتفَى بها في ذلك ، فنحملها إذا تنازعا في زمان المسير على المعتاد في ذلك الطريق ، فإن لم يكن للعادة ضبطٌ في الزمان الذي يقدّر السير فيه ، فهذا يجرّ جهالةً مفسدةً ؛ من جهة أن المتعاقدَيْن إذا تنازعا ، وليس أحدهما بالموافقة بأولى ( 3 ) من الثاني ، فيؤدي مثلُ هذا إلى قيام الخصومة ناشئةً بينهما ، لا نجد لها مفصلاً . وهذا غير مُحتمل .
5229 - ولو تنازع المكري والمكتري في محل النزول ، فطلب المكري النزولَ في الصحراء بارزاً من القرية وخِطّتها ، ورأى صاحب المتاع النزولَ في القرية احتياطاً لمتاعه ، وليشتري في القرية ما يبغيه على يُسر ، فإذا تنازعا كذلك ، حملناهما على العادة ، فإن كان وقت أمنٍ ، فالعادة النزول في الصحارى ، وإن كان وقت خوف ، فالعادة النزول في القرى ، ومما يؤثر في ذلك الصيفُ والشتاءُ ، والعادة هي المتبعة .
وإن اضطربت العادة في محل النزول ، ولم نجد منها بيّناً ( 4 ) بعَيْنه نتَّبعه ، ففي المسألة احتمال ، والأظهر أن ذلك يؤثر في الفساد ؛ فإنه يجرّ نزاعاً عظيماً بين المكري والمكتري .
هامش
( 1 ) الصوى : جمعُ صُوّة ، وهي العَلَم من الحجارة المنصوبة في الطريق ، وزان مُدية ومُدّى ( المصباح ) .
( 2 ) السُّرى : سيرُ عامة الليل ( يذكّر ويؤنّث ) وفي المثل : " وعند الصباح يحمد القومُ السُّرى " ( المعجم ) .
( 3 ) ( د 1 ) : بالموافقة منها أولى . . .
( 4 ) كذا في النسختين . ولعلها : شيئاً .