الأولُ : وهو الصحيحُ المشهورُ : التفرقةُ بين التعديلِ والجرحِ ، فيقبلُ التعديلُ من غيرِ ذكرِ سببِهِ ؛ لأنَّ أسبابَهُ كثيرةٌ ، فتثقلُ ويشُقُّ ذكرُها ؛ لأنَّ ذلكَ يُحوِجُ المُعدِّلَ إلى أنْ يقولَ ليسَ يفعلُ كذا ولا كذا ، وَيَعُدُّ ما يجبُ عليه تركُهُ . ويفعلُ كذا وكذا ، فيعدُّ ما يجبُ عليه فِعْلُهُ . فيشقُّ ذلك ، ويطُولُ تفصيلُهُ . وأما الجرحُ فإنَّهُ لا يُقبلُ إلا مفسَّراً مُبَيَّنَ السببِ ؛ لأنَّ الجرحَ يحصلُ بأمرٍ واحدٍ ، فلا يشقُّ ذِكْرُهُ ؛ ولأنَّ الناسَ مختلفونَ في أسبابِ الجرحِ . فيطلقُ أحدُهم الجرحَ بناءً على ما اعتقدَهُ جرحاً ، وليس بجرحٍ في نفسِ الأمرِ ، فلا بدَّ من بيانِ سببِهِ ، ليَظْهرَ أهو قادحٌ أم لا ؟
ويدلُّ على أنَّ الجرحَ لا يُقبلُ غيرَ مُفَسَّرٍ ، أنّهُ ربَّما استُفْسِرَ الجارحُ ، فذكرَ ما ليس بجرحٍ .
فقد روى الخطيبُ بإسنادِهِ إلى محمدِ بنِ جعفرٍ المدائنيِّ ، قال : قيل لشعبةَ : لِمَ تركتَ حديثَ فلانٍ ؟ قَالَ : رأيتُهُ يركُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ ، فتركتُ حديثَهُ .
وقولي في آخرِ البيتِ : ( فما ) ، أي : فماذا يلزمُ من ركضِهِ على برذونٍ . وروى بنُ أبي حاتِمٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، قالَ : أتى شعبةُ المِنْهالَ بنَ عمرٍو ، فسمِعَ صوتاً
شرح التبصرة والتذكرة — صفحة 336
مساهمون: عبد الرحيم بن الحسين العراقي
ص٣٣٦