القياس ، وموجب الشرع تستدعي قدراً ، وجنساً ، ومضيَّ مدة ، وقد تجمعت هذه الخصال ، وتَمَّ ارتفاقُ المالك ، أو تمكنُه من الارتفاق ، فينبغي أن يُقتضب ( 1 ) من هذه الجهات ثبوت الزكاة حقاً لله تعالى وشكراً لنعمائه . والأداء أمر متميز عن الثبوت ، ومن كان عليه دين ، وهو غير ممتنع من أدائه ، ومستحِقُّه غيرُ مطالبٍ به ، فالديْن ثابت ، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطلبه مستحقُّه ، كيف ، ونحن نحكم بأن الدَّين ثابت على المعسر في حياته ، وبعد مماته ، حتى يجوز الضمان عنه ، وإن كان الأداء غير ممكن .
وأما ما ذكره ناصر القول الأول من أن الإطاقة شرط التكليف ، ففيما ذكرناه جواب عنه ، وما استدل به من الحج ، فهو متميز عما نحن فيه . أولاً ؛ فإنه عبادة بدنية ، وليس أمراً تميز أداؤُه عن وجوبه وثبوته ، وهذا يدركه الفطن من قضايا الشريعة . على أن في الحج نظراً ، فإن تعليقه بالاستطاعة من ترفيهات الشريعة ، والدليل عليه أن المكلَّف لو تكلف المشقة وحجّ وهو غير مستجمعٍ للشرائط المعتبرة في الاستطاعة ، فحجه يقع معتداً به عن حجة الإسلام ، ولا يقال عبادة بدنية قُدِّمت على وقت وجوبها ، كالصلاة تقدَّم على وقتها ؛ فلا يقضى بإجزائها .
فليتأمل الناظر ذلك .
وهو مشبه بالدين المؤجل ؛ فإنه ثابت ، ولكن مَن عليه الدين مُمهَل غير مشقوق عليه .
فهذا هو بيان القولين وتوجيههما في الإمكان .
وتمام البيان يأتي بعد ذلك .
1788 - ومن الأصول في الفصل : أن الزكاة إذا وجبت ، وتحقق التمكُّن ، فلا يجوز تأخيرُ أدائها من غير عذر ، وهي مع ارتفاع المعاذير واجبةُ الأداء ، على الفور والبدار .
هامش
( 1 ) كذا في النسخ كلها ، ( يقتضب ) أي يقتطع ويؤخذ من هذه الجهات ثبوت الزكاة . وقد تقرأ على غير هذا الوجه ، فإنها غير منقوطة . والمعنى واضح من السياق على كل حال . والله أعلم بالصواب .