ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك ؟ فإن القلوب قد امتلأت بحب الدنيا ، فلا يجد العلم فيها موضعا ،
فجالس من شئت منهم لتنظر مبادئ مجالستهم وغاياتها ، ولا تستخفك البدوات ، فإنما الأمور
بعواقبها وخواتيمها ونتائجها ، وغاياتها . ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا
يحتسب ) [ الطلاق : 2 - 3 ] وقال وهب : البلاء للمؤمن كالشكال للدابة . وقال أبو بلال
الأشعري : عن أبي شهاب الصنعاني ، عند عبد الصمد ، عن وهب قال : من أصيب بشئ من
البلاء فقد سلك به طريق الأنبياء . وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الرزاق
قال : أنبأنا منذر قال : سمعت وهبا يقول : قرأت في كتاب رجل من الحواريين : إذا سلك بك
طريق - أو قال سبيل - أهل البلاء فطب نفسا ، فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن خالد ، حدثني أمية بن شبل ،
عن عثمان بن بزدويه قال : كنت مع وهب وسعيد بن جبير يوم عرفة تحت نخيل ابن عامر ، فقال
وهب لسعيد : يا أبا عبد الله ! كم لك منذ خفت من الحجاج ؟ قال : خرجت عن امرأتي وهي حامل
فجاءني الذي في بطنها وقد خرج [ شعر ] وجهه ، فقال له وهب : إن من كان قبلكم كان إذا أصابه
بلاء عده رجاء ، وإذا أصابه رجاء عده بلاء . وروى عبد الله بن أحمد بسنده عن وهب قال : قرأت
في بعض الكتب : ليس من عبادي من سحر أو سحر له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو تطير أو تطير له ، فمن
كان كذلك فليدع غيري ، فإنما هو أنا وخلقي كلهم لي . وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن
خالد ، حدثنا رباح ، عن جعفر بن محمد ، عن التيمي ، عن وهب أنه قال : دخول الجمل في سم
الخياط أيسر من دخول الأغنياء الجنة . قلت : هذا إنما هو لشدة الحساب وطول وقوف الأغنياء في
الكرب ، كما قد ضربت الأمثال للشدائد . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا بكار قال سمعت وهبا يقول : ترك المكافأة من
التطفيف . وقال الإمام أحمد : حدثنا الحجاج وأبو النصر : قالا : حدثنا محمد بن طلحة ، عن
محمد بن جحادة عن وهب قال : من يتعبد يزدد قوة ، ومن يتكسل يزدد فترة . وقد قال غيره : إن
حوراء جاءته في المنام في ليلة باردة فقالت له : قم إلى صلاتك فهي خير لك من نومة توهن بدنك .
ورأيت في ذلك حديثا لم يحضرني الآن . وهذا أمر مجرب أن العبادة تنشط البدن وتلينه ، وأن النوم
يكسل البدن فيقسيه ، وقد قال بعض السلف لما تبع ضلة ابن أشيم حين دخل تلك الغيضة ، وأنه
قام ليلته إلى أن أصبح ، قال فأصبح كأنه بات على الحشايا ، وأصبحت ولي من الكسل والفتور ما لا
يعلمه إلا الله عز وجل .
وقد قيل للحسن : ما بال المتعبدين أحسن الناس وجوها ؟ قال : لأنهم خلوا بالجليل فألبسهم
نورا من نوره وقال يحيى بن أبي كثير : والله ما رجل يخلو بأهله عروسا أقر ما كانت نفسه وآنس ،
بأشد سرورا منهم بمناجاة ربهم تعالى إذا خلوا به . وقال عطاء الخراساني : قيام الليل محياة للبدن ،
البداية والنهاية — صفحة 322
مساهمون: ابن كثير
ص٣٢٢