اعتدوا عليه ، ثم أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم ، اتهموا فضلي وكرمي ، أنا الديان الذي لا تحل
معصيتي ، والذي أطاعني أطاعني برحمتي ، ولا حاجة لي بهوان من خاف مقامي . ولو رآني عبادي
يوم القيامة كيف أرفع قصورا تحار فيها الابصار فيسألوني : لمن ذا ؟ فأقول : لمن وهب لي ذنبا ما لم
يوجب على نفسه معصيتي والقنوط من رحمتي ، وإني مكافئ على المدح فامدحوني .
وقال سلمة بن شبيب : حدثنا سلمة بن عاصم ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقبة ، حدثنا
عبد الرحمن أبو طالوت حدثني مهاجر الأسدي عن وهب . قال : مر عيسى بن مريم ومعه الحواريون
بقرية قد مات أهلها ، إنسها وجنها ، وهو أمها وأنعامها وطيورها ، فقام عليها ينظر إليها ساعة ثم
أقبل على أصحابه فقال : إنما مات هؤلاء بعذاب من عند الله ، ولولا ذلك لماتوا متفرقين . ثم ناداهم
عيسى : يا أهل القرية ، فأجابه مجيب : لبيك يا روح الله ، فقال : ما كانت جنايتكم وسبب
هلاككم ؟ قال عبادة الطاغوت وحب الدنيا ، قال : وما كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال : طاعة
أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت . قال : وما كان حبكم للدنيا ؟ قال : كحب الصبي لامه ، كنا
إذا أقبلت فرحنا ، وإذا أدبرت حزنا ، مع أمل بعيد ، وإدبار عن طاعة الله ، وإقبال على مساخطه .
قال : فكيف كان هلاككم ؟ قال : بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في هاوية ، قال : وما الهاوية ؟ قال :
سجين ، قال : وما السجين ؟ قال : جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها ، قال :
فما بال أصحابك لا يتكلمون ؟ قال : لا يستطيعون أن يتكلموا . قال : وكيف ذلك ؟ قال : هم
ملجمون بلجم من نار . قال : وكيف كلمتني أنت من بينهم ؟ قال : كنت فيهم لما أصابهم العذاب
ولم أكن منهم ولا على أعمالهم ، فلما جاء البلاء عمني معهم ، وأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري
أكردس ( 1 ) فيها أم أنجو . فقال عيسى عليه السلام عند ذلك لأصحابه : بحق أقول لكم : لخبز
الشعير وشرب الماء القراح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة .
وروى الطبراني عنه أنه قال : لا يكون المرء حكيما حتى يطيع الله عز وجل ، وما عصى الله
حكيم ، ولا يعصى الله إلا أحمق ، وكما لا يكمل النهار إلا بالشمس ، ولا يعرف الليل إلا بالظلام ،
كذلك لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله عز وجل ، ولا يعصى الله حكيم ، كما لا يطير الطير إلا
بجناحين ، ولا يستطيع من لا جناح له أن يطير ، كذلك لا يطيع الله من لا يعمل له ، ولا يطيق عمل
الله من لا يطيعه . وكما لا مكث للنار في الماء حتى تطفأ ، كذلك لا مكث لعمل الرياء حتى يبور .
وكما يبدي سر الزانية وفضيحتها فعلها ، كذلك يفتضح بالفعل السئ من كان يقرأ لجليسه بالقول
الحسن ولم يعمل به . وكما تكذب معذرة السارق بالسرقة إذا ظهر عليها عنده ، كذلك تكذب معصية
القارئ لله قراءته إذا كان يقرأها لغير الله تعالى .
هامش
( 1 ) أكردس فيها : أمشي وأنا مقارب الخطو كالمقيد .