فأعظم الناس مكانه ، وهالهم أمره ، فقال له صاحب شرطة الملك - سرا بينه وبينه - : أيها العالم ،
أذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلي حتى أصنعه لك على حدته ، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير
أمرت به فوضع بين يديك ، فتأكل منه حلالا ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير ، فذبح
ذلك العالم جديا ، ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له ، وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى
هذا العالم لحم الخنزير ، أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي واجتمع الناس ، لينظروا أمر هذا العالم
فيه أيأكل أم لا ، وقالوا إن أكل أكلنا وإن امتنع امتنعنا . فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازير
فوضعت بين أيديهم ، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكي ، فألهم الله ذلك
العالم فألقى في روعه وفكره ، فقال : هب أني أكلت لحم الجدي الذي أعلم حله أنا ، فماذا أصنع بمن
لا يعلم ؟ والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي ، وهم لا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير
فيأكلون اقتداء بي ، فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة ، لا أفعل والله وإن قتلت وحرقت بالنار ،
وأبى أن يأكل ، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويومي إليه ويأمره بأكله ، أي إنما هو لحم الجدي ،
فأبى أن يأكل ، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى ، فألحوا عليه فأبى ، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله ،
فلما ذهبوا به ليقتلوه . قال له صاحب الشرطة : ما منعك أن تأكل من اللحم الذي ذكيته أنت
ودفعته ألي ؟ أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه ؟ ما كنت لافعل والله . فقال له العالم
قد علمت أنه هو ، ولكن خفت أن يتأسى الناس بي ، وهم إنما ينتظرون أكلي منه ، ولا يعلمون إلا
أني إنما أكلت لحم الخنزير ، وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتي من الزمان يقول : قد أكله فلان ،
فأكون فتنة لهم . فقتل رحمه الله . فينبغي للعالم أن يحذر المعايب ، ويجتنب المحذورات ، فإن زلته
وناقصته منظورة يقتدي بها الجاهل . وقال معاذ بن جبل : اتقوا زيغة الحكيم ، وقال غيره : اتقوا زلة
العالم ، فإنه إذا زل زل بزلته عالم كبير . ولا ينبغي له أن يستهين بالزلة وإن صغرت ، ولا يفعل
الرخص التي اختلف فيها العلماء ، فإن العالم هو عصاة كل أعمى من العوام ، بها يصول على الحق
ليدحضه ، ويقول : رأيت فلانا العالم ، وفلانا وفلانا يفعلون ويفعلون . وليجتنب العوائد
النفسية ، فإنه قد يفعل أشياء على حكم العادة فيظنها الجاهل جائزة أو سنة أو واجبة ، كما قيل : سل
العالم يصدقك ولا تقتد بفعله الغريب ، ولكن سله عنه يصدقك إن كان ذا دين ، وكم أفسد النظر
إلى غالب علماء زمانك هذا من خلق ، فما الظن بمخالطتهم ومجالستهم ولكن ( من يهدي الله فهو
المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) [ الكهف : 17 ] .
وقال محمد بن عبد الملك بن زنجويه : حدثنا عبد الرزاق عن أبيه قال : قلت لوهب بن
منيه : كنت ترى الرؤيا فتخبرنا بها ، فلا نلبث أن نراها كما رأيتها ، قال : ذهب ذلك عني منذ وليت
القضاء . قال عبد الرزاق : فحدثت به معمرا فقال : والحسن بعد ما ولي القضاء لم يحمدوا فهمه ،
فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ فكيف حال من قد غرق في قاذورات الدنيا من علماء زمانك هذا ،
البداية والنهاية — صفحة 321
مساهمون: ابن كثير
ص٣٢١