تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام ولا تصلي إلا على عود ، وفي رواية إلا مستلقيا ، فقال : لا والله ولا ركعة واحدة ، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدا لقي الله وهو عليه غضبان . وقد أنشد المدائني لابن عباس حين عمي : إن يأخذ الله من عيني نورهما * ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل * وفي فمي صارم كالسيف مأثور ولما وقع الخلف بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس ومحمد بن الحنفية الناس ، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه ، وقال كل منهما : لا نبايعك ولا نخالفك ، فهم بهما فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من العراق من شيعتهما . فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة ، وهموا بابن الزبير فهرب فتعلق بأستار الكعبة ، وقال : أنا عائذ بالله ، فكفوهم عنه ، ثم مالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وقد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم ، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف ، وأقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدا كما تقدم . فلما كان في سنة ثمان وستين توفي ابن عباس بالطائف ، وصلى عليه محمد بن الحنفية ، فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم ير مثل خلقته ، فدخل في أكفانه والتف بها حتى دفن معه . قال عفان : وكانوا يرون علمه وعمله ، فلما وضع في اللحد تلا تال لا يعرف من هو وفي رواية أنهم سمعوا من قبره : * ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) * [ الفجر : 28 ] هذا القول في وفاته هو الذي صححه غير واحد من الأئمة ، ونص عليه أحمد بن حنبل والواقدي وابن عساكر ، وهو المشهور عند الحافظ ، وقيل إنه توفي في سنة ثلاث وستين ، وقيل سنة ثلاث وسبعين ، وقيل سنة سبع وستين ، وقيل سنة تسع وستين ، وقيل سنة سبعين . والأول أصح ، وهذه الأقوال كلها شاذة غريبة مردودة والله سبحانه وتعالى أعلم . وكان عمره يوم مات ثنتين وسبعين سنة ، وقيل إحدى وسبعين ، وقيل أربع وسبعين ، والأول أصح والله أعلم .

صفة ابن عباس

كان جسيما إذا جلس يأخذ مكان رجلين ، جميلا له وفرة ، قد شاب مقدم رأسه ، وشابت لمته ، وكان يخضب بالحناء وقيل بالسواد ، حسن الوجه يلبس حسنا ويكثر من الطيب بحيث إنه كان إذا مر في الطريق يقول النساء هذا ابن عباس أو رجل معه مسك ، وكان وسيما أبيض طويلا جسيما فصيحا ، ولما عمي اعترى لونه صفرة يسيرة . وقد كان بنو العباس عشرة ، وهم الفضل ، وعبد الله ، وعبيد الله ، ومعبد ، وقثم ، وعبد الرحمن ، وكثير ، والحارث ، وعون ، وتمام . وكان أصغرهم تمام ، ولهذا كان يحمله ويقول :
البداية والنهاية — صفحة 336 | ابن كثير / علي شيري