تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
عنها قبل موته ، ثم وفد على معاوية فأكرمه وقربه واحترمه وعظمه ، وكان يلقي عليه المسائل المعضلة فيجيب عنها سريعا ، فكان معاوية يقول : ما رأيت أحدا أحضر جوابا منه ، ولما جاء الكتاب بموت الحسن بن علي اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزاه فيه بأحسن تعزية ، ورد عليه ابن عباس ردا حسنا كما قدمنا ، وبعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس وعزاه بعبارة فصيحة وجيزة ، شكره عليها ابن عباس ، ولما مات معاوية ورام الحسين الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهي ، وأراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين - لان ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره - فلم يقبل منه ، فلما بلغه موته حزن عليه حزنا شديدا ولزم بيته ، وكان يقول : يا لسان قل خيرا تغنم ، واسكت عن شر تسلم ، فإنك إن لا تفعل تندم . وجاء إليه رجل يقال له جندب فقال له : أوصني ، فقال : أوصيك بتوحيد الله والعمل له ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فإن كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول ، وإلى الله مرفوع ، يا جندب إنك لن تزدد من موتك إلا قربا ، فصل صلاة مودع . وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر ، فإنك من أهل القبور ، وابك على ذنبك وتب من خطيئتك ، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك ، فكأن قد فارقتها وصرت إلى عدل الله ، ولن تنتفع بما خلفت ، ولن ينفعك إلا عملك . وقال بعضهم : أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم ، قال : لا تكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى له موضعا ، ولا تمار سفيها ولا حليما فإن الحليم يغلبك والسفيه يزدريك ، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه ، واعمل عمل من يعلم أنه مجزى بالاحسان مأخوذ بالاجرام . فقال رجل عنده : يا بن عباس ! هذا خير من عشرة آلاف . فقال ابن عباس : كلمة منه خير من عشرة آلاف . وقال ابن عباس : تمام المعروف تعجيله وتصغيره وستره - يعني أن تعجل العطية للمعطى ، وأن تصغر في عين المعطي - وأن تسترها عن الناس فلا تظهرها ! فإن في إظهارها فتح باب الرياء وكسر قلب المعطى ، واستحياءه من الناس . وقال ابن عباس : أعز الناس على جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت ، وقال أيضا : لا يكافئ من أتاني يطلب حاجة فرآني لها موضعا إلا الله عز وجل ، وكذا رجل بدأني بالسلام أو أوسع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس ، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ ، ورجل حفظني بظهر الغيب . والمأثور عنه من هذه المكارم كثير جدا وفيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره . وقد عده الهيثم بن عدي في العميان من الاشراف ، وفي بعض الأحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك ، وقد أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه ، فلما أصيبت الأخرى عاد إليه لحمه ، فقيل له في ذلك فقال : أصابني ما رأيتم في الأولى شفقة على الأخرى ، فلما ذهبتا اطمأن قلبي . وقال أبو القاسم البغوي : ثنا علي بن الجعد ، ثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقال له الطبيب : ننزعك من عينيك الماء على أن لا تصلي سبعة أيام . فقال : لا ! إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي الله وهو عليه غضبان ، وفي رواية أنه قيل له : نزيل