فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان ، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم ، ثم أقبلوا فحاصروا
عتاب بن ورقاء شهرا ، بمدينة جيا ، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم
وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز ( 1 ) وغنموا ما في معسكرهم ، وأمرت الخوارج عليهم قطري بن
الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز ، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة - وهو على
الموصل - أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس بقتالهم ، وبعث مكانه إلى الموصل
إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع
بمثله .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من
الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم . قال ابن جرير : وفيها قتل عبيد الله بن الحر وكان من خبره
أنه كان رجلا شجاعا تتقلب به الأحوال والأيام والآراء ، حتى صار من أمره أنه لا يطاع لاحد من
بني أمية ولا لآل الزبير ، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت
ماله قهرا ويكتب له براءة ويذهب فينفقه على أصحابه . وكان الخلفاء والامراء يبعثون إليه الجيوش
فيطردها ويكسرها قلت أو كثرت ، حتى كاع فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق ، ثم إنه
وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر ( 2 ) وقال : ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل
إليهم سريعا ، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه فظهر على أمره فأعلم أمير الكوفة الحارث بن
عبد الله فبعث إليه جيشا ( 3 ) فقتلوه في المكان الذي هو فيه ، وحمل رأسه إلى الكوفة ، ثم إلى
البصرة ، واستراح الناس منه .
قال ابن جرير : وفيها شهد موقف عرفة أربع رايات متباينة ، كل واحدة منها لا تأتم
بالأخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه ، والثانية لنجدة الحروري وأصحابه ، والثالثة لبني
أمية ، والرابعة لعبد الله بن الزبير ، وكان أول من دفع رايته ابن الحنفية ، ثم نجدة ، ثم بنو أمية ،
ثم دفع ابن الزبير فدفع الناس معه ، وكان عبد الله بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير ، ولكنه
تأخر دفعه ، فقال ابن عمر : أشبه بتأخره دفع الجاهلية ، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير ،
هامش
( 1 ) في الأصل : مأجور .
( 2 ) كذا بالأصل والطبري 7 / 172 وفي ابن الأثير 4 / 293 : فقال له : سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا
ممدك بالرجال . وفي ابن الأعثم 6 / 232 : ثم أمر له ( أي عبد الملك ) بأربعة آلاف رجل من أهل الشام
فأعطاهم الأرزاق وضمهم إليه وأمرهم بالمسير معه .
( 3 ) بعث خمسمائة فارس عليهم رجل يقال له عبيد بن العباس ( ابن الأعثم ) وفي الطبري : وثب عليه رجل من
الأنباط فأخذ بعضديه وضربه الباقون بالمرادي . وفي ابن الأعثم : طعنه رجل من بني محارب يكنى أبا كدية .
وفي ابن الأثير : من بني باهلة يكنى أبا كدية .