تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وقال الواقدي : لما أراد ابن الزبير هدم البيت شاور الناس في هدمها فأشار عليه جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير بذلك ، وقال ابن عباس : أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها ، فلا تزال تهدم حتى يتهاون الناس بحرمتها ، ولكن أرى أن تصلح ما يتهدم من بنيانها . ثم إن ابن الزبير استخار الله ثلاثا أيام ، ثم غدا في اليوم الرابع فبدأ ينقض الركن إلى الأساس ، فلما وصلوا إلى الأساس وجدوا أصلا بالحجر مشبكا كأصابع اليدين ، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا فأمرهم أن يحفروا ، فلما ضربوا بالمعاول في تلك الأحجار المشبكة ارتجت مكة فتركه على حاله ، ثم أسس عليه البناء ، وجعل للكعبة بابين موضعين بالأرض ، باب يدخل منه وباب يخرج منه ، ووضع الحجر الأسود بيده ، وشده بفضة لأنه كان قد تصدع ، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع ، ولطخ جدرانها بالمسك وسترها بالديباج ، ثم اعتمر من مساجد عائشة وطاف بالبيت وصلى وسعى ، وأزال ما كان حول الكعبة من الزبالة ، وما كان حولها من الدماء ، وكانت الكعبة قد وهت من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق ، واسود الركن وانصدع الحجر الأسود من النار التي كانت حول الكعبة ، وكان سبب تجديد الزبير لها ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة المتقدم ذكره والله أعلم .

ثم دخلت سنة خمس وستين

فيها اجتمع إلى سليمان بن صرد نحو من سبعة عشر ألفا ، كلهم يطلبون الاخذ بثأر الحسين ممن قتله ، قال الواقدي : لما خرج الناس إلى النخيلة كانوا قليلا ، فلم تعجب سليمان قلتهم ، فأرسل حكيم بن منقذ ( 1 ) فنادى في الكوفة بأعلى صوته : يا ثارات الحسين ، فلم يزل ينادي حتى بلغ المسجد الأعظم ، فسمع الناس فخرجوا إلى النخيلة وخرج أشراف الكوفة فكانوا قريبا من عشرين ألفا أو يزيدون ، في ديوان سليمان بن صرد ، فلما عزم على المسير بهم لم يصف معه منهم سوى أربعة آلاف ، فقال المسيب بن نجية لسليمان : إنه لا ينفعك الكاره ، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية ، وباع نفسه لله عز وجل ، فلا تنتظرن أحدا وامض لأمرك في جهاد عدوك واستعن بالله عليهم . فقام سليمان في أصحابه وقال : يا أيها الناس ! من كان إنما خرج لوجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه ، ومن كان خروجه معنا للدنيا فليس منا ولا يصحبنا . فقال الباقون معه : ما للدنيا خرجنا ، ولا لها طلبنا ، فقيل له : أنسير إلى قتلة الحسين بالشام وقتلته عندنا بالكوفة كلهم مثل عمر بن سعد وغيره ؟ فقال سليمان : إن ابن زياد هو الذي جهز الجيش إليه وفعل به ما فعل ، فإذا فرغنا منه عدنا إلى أعدائه بالكوفة ، ولو قاتلتوهم أولا ، وهم أهل مصركم ما عدم الرجل منكم أن يرى رجلا قد قتل أباه قد قتل أخاه أو حميمه ، فيقع التخاذل ، فإذا فرغتم من
هامش
( 1 ) في الطبري 7 / 66 زيد : والوليد بن غضين الكناني ، وفي ابن الأعثم 6 / 58 : ابن عصين وفي الكامل : ابن عصير .