يفتر ولا يبيد دون أن نقتل قاتله والممالئين عليه ، أو نقتل دون ذلك وتذهب أموالنا وتخرب ديارنا ،
أيها الناس قوموا في ذلك قومة رجل واحد ، وتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند
بارئكم . وذكر كلاما طويلا . ثم كتبوا إلى جميع إخوانهم أن يجتمعوا بالنخيلة في السنة الآتية ( 1 ) .
وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وهو أمير على المدائن يدعوه إلى ذلك
فاستجاب له ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن ، فبادروا إليه بالاستجابة والقبول ،
وتمالأوا عليه وتواعدوا النخيلة في التاريخ المذكور . وكتب سعد بن حذيفة إلى سليمان بن صرد
بذلك ففرح أهل الكوفة من موافقة أهل المدائن لهم على ذلك ، وتنشطوا لأمرهم الذي تمالاوا
عليه . فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بعد قليل ، طمعوا في الامر ، واعتقدوا أن أهل الشام
قد ضعفوا ، ولم يبق من يقيم لهم أمرا ، فاستشاروا سليمان في الظهور وأن يخرجوا إلى النخيلة قبل
الميقات ، فنهاهم عن ذلك وقال : لا ! حتى يأتي الاجل الذي واعدنا إخواننا فيه ، ثم هم في
الباطن يعدون السلاح والقوة ولا يشعر بهم جمهور الناس ، وحينئذ عمد جمهور أهل الكوفة إلى
عمرو بن حريث نائب عبيد الله بن زياد على الكوفة فأخرجوه من القصر ، واصطلحوا على عامر بن
مسعود بن أمية بن خلف الملقب دحروجة ( 2 ) ، فبايع لعبد الله بن الزبير ، فهو يسد الأمور حتى تأتي
نواب ابن الزبير . فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة - أعني سنة أربع
وستين - قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير ، أحدهما عبد الله بن يزيد الخطمي ، على
الحرب والثغر ، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله ( 3 ) التيمي ، على الخراج والأموال .
وقد كان قدم قبلهما بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد - وهو المختار بن أبي
عبيد الثقفي الكذاب - فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد وعظموه تعظيما زائدا ، وهم
معدون للحرب . فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي محمد بن علي بن أبي
طالب ، وهو محمد بن الحنفية في الباطن ، ولقبه المهدي ، فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة وفارقوا
سليمان بن صرد ، وصارت الشيعة فرقتين ، الجمهور منهم مع سليمان يريدون الخروج على الناس
ليأخذوا بثأر الحسين ، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية ،
وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه ، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به ، وليتوصلوا إلى
أغراضهم الفاسدة ، وجاءت العين ( 4 ) الصافية إلى عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير بما
تمالا عليه فرقتا الشيعة على اختلافهما من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون ، وأشار من
هامش
( 1 ) في ابن الأعثم 6 / 52 والطبري 7 / 50 : غرة ربيع الآخر سنة 65 ه .
( 2 ) في ابن الأعثم 6 / 53 والطبري 7 / 52 : دحروجة الجعل .
( 3 ) في ابن الأعثم : عبد الله .
( 4 ) في الطبري 7 / 55 وابن الأعثم 6 / 57 : يزيد بن الحارث بن رويم وهو من شيعة بني أمية .