تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة . فقال معاوية : إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شرا . وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه : إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك . قالوا : فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به ، وقال له : انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله ، فإنه أحب الناس إلى الناس ، فصل رحمه ، وارفق به ، يصلح لك أمره ، فإن يكن منه شئ فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه . وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين ، وبايع الناس يزيد ، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي ، إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة : أن ادع الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي ، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمرة الرفق به واستصلاحه . فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ، ودعاهما إلى البيعة ليزيد بن معاوية ، فقالا : إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس ، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا : هو يزيد الذي نعرف ، والله ما حدث له عزم ولا مروءة . وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ، فقال الوليد : إن هجنا بأبي عبد الله إلا شرا . فقال له مروان - أو بعض جلسائه - اقتله ، فقال : إن ذلك لدم مضنون به مصون في بني عبد مناف . قالوا : وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة ، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد ، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا ، فقال المسور بن مخرمة : عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة ، فقدما مكة فنزل الحسين دار العباس ، ولزم ابن الزبير الحجر ، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية ، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق ، ويقول : هم شيعتك وشيعة أبيك ، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك ، وقال له عبد الله بن مطيع : إني فداؤك وأبي وأمي ، فامتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا . قالوا : ولقيهما عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة بالأبواء منصرفين من العمرة فقال لهما ابن عمر : أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس ، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذا ، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان . وقال ابن عمر للحسين : لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه ، فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن علي بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش ، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس ، فإن الجماعة خير . وقال له ابن عباس : وأين تريد يا بن فاطمة ؟ فقال : العراق وشيعتي ، فقال : إني لكاره لوجهك