ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره ودفع الدراهم
بحضرة هانئ إلى مسلم ، فقال : أتعرف هذا ؟ قال : نعم ! فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده ،
فقال : أصلح الله الأمير ، والله ما دعوته إلى منزلي ، ولكنه جاء فطرح نفسه علي ، فقال
عبيد الله : فأتني به ، فقال : والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه ، فقال : أدنوه مني ، فأدنوه
فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه ، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع
عن ذلك ، وقال عبيد الله : قد أحل الله لي دمك ، لأنك حروري ، ثم أمر به فحبسه في جانب
الدار وجاء قومه من بني مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل ،
فسمع عبيد الله لهم جلبة ، فقال لشريح القاضي وهو عنده : اخرج إليهم فقل لهم : إن الأمير لم
يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل ، فقال لهم : إن صاحبكم حي وقد ضربه سلطاننا ضربا لم
يبلغ نفسه ، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم . فتفرقوا إلى منازلهم ، وسمع مسلم بن
عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره " يا منصور أمت " فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة ،
وكان معه المختار بن أبي عبيد ، ومعه راية خضراء ، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء ،
فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله ، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم
من الاختلاف ، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره ، فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة
يقولون : جاء مسلم بن عقيل ، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب ، فلما
انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك ، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في
القصر ، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف ، وتهددوهم وتوعدوهم ، وأخرج
عبيد الله بعض الامراء ( 1 ) وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل ، ففعلوا
ذلك ، فجعلت المرأة تجئ إلى ابنها وأخيها وتقول له : ارجع إلى البيت ، الناس يكفونك ويقول
الرجل لابنه وأخيه : كأنك غدا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم ؟ فتخاذل الناس
وقصروا وتصرموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس ، ثم تقالوا حتى
بقي في ثلاثمائة ثم تقالوا حتى بقي معه ثلاثون رجلا ، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج
منها في عشرة ، ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق ، ولا من يؤانسه
بنفسه ، ولا من يأويه إلى منزله ، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا
يدري أين يذهب ، فأتى بابا فنزل عنده وطرقه فخرجت منه امرأة يقال لها طوعة ، كانت أم ولد
للأشعث بن قيس ، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد ( 2 ) ، خرج مع الناس وأمه
هامش
( 1 ) منهم كثير بن شهاب الحارثي ( وفي الطبري : كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي ) والقعقاع بن شور الذهلي
وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي جوشن الضبابي ( وفي الطبري : العامري )
ومحمد بن الأشعث ولم يذكر ابن الأعثم إلا كثير بن شهاب .
( 2 ) كذا بالأصل والطبري والكامل وفي فتوح ابن الأعثم 5 / 88 : كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي فتزوجها رجل
من حضرموت يقال له أسد بن البطين فأولدها ولدا يقال له أسد .