تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
يحيى التميمي : أما بعد فقد اخضرت الجنان ( 1 ) وأينعت الثمار ولطمت الجمام ( 2 ) ، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك . فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين ، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية ، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية ، وينالون منه ويتكلمون في دولته ، وأنهم لما يبايعوا أحدا إلى الآن ، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم ، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق ( 3 ) : ليكشف له حقيقة هذا الامر والاتفاق ، فإن كان متحتما وأمرا حازما محكما بعث إليه ليركب في أهل وذويه ، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه ، وكتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك ، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك ، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك ، وذلك من شدة العطش ، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق ، من بطن خبيت ( 4 ) ، فتطير به مسلم بن عقيل ، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره ، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق ، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم . فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي ، وقيل نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي فالله أعلم . فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين ، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم ، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا ، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا ، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور ، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره . وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبره رجل بذلك ، فجعل يضرب عن ذلك صفحا ولا يعبأ به ، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة ، وأمرهم بالائتلاف والسنة ، وقال : إني لا أقاتل من لا يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي ، ولا آخذكم بالظنة ، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته . فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة ( 5 ) الحضرمي فقال له : إن هذا الامر لا يصلح إلا بالغشمة ، وإن الذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين . فقال له النعمان : لان أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية الله . ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد
هامش
( 1 ) في الطبري : الجناب . وفي ابن الأعثم : الجنات . ( 2 ) في ابن الأعثم : وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار . ( 3 ) في الطبري : فسرحه مع قيس بن مسهر وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي . ( 4 ) في الاخبار الطوال : بطن الحربث . البطن : الموضع الغامض من الوادي . والبطون كثيرة . والحربث نبت أسود وزهرته بيضاء وهو من أطيب المراعي . ( 5 ) في الطبري والكامل سعيد . وفي الاخبار الطوال ص 231 : مسلم بن سعيد الحضرمي .