أبو موسى يكفكف الناس ، وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، وقال أبو موسى أيها الناس ،
أطيعوني وكونوا خير قوم من خير أمم العرب ، يأوي إليهم المظلوم ، ويأمن فيهم الخائف ، وإن
الفتنة إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت تبينت ثم أمر الناس بكف أيديهم ولزوم بيوتهم ، فقام
زيد بن صوحان فقال : أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين سيروا إليه . أجمعون ،
فقام القعقاع بن عمرو فقال : إن الحق ما قاله الأمير ، ولكن لابد للناس من أمير يردع الظالم
ويعدي المظلوم ، وينتظم به شمل الناس ، وأمير المؤمنين علي ولي بما ولي ، وقد أنصف بالدعاء ،
وإنما يريد الاصلاح ، فانفروا إليه ، وقام عبد خير فقال : الناس أربع فرق ، علي بمن معه في
ظاهر الكوفة ، وطلحة والزبير بالبصرة ، ومعاوية بالشام ، وفرقة بالحجاز لا تقاتل ولا عناء بها ،
فقال أبو موسى : أولئك خير الفرق ، وهذه فتنة . ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار
والحسن بن علي في الناس على المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين ، فإنه إنما يريد
الاصلاح بين الناس ، وسمع عمار رجلا يسب عائشة فقال : اسكت مقبوحا منبوحا ، والله إنها
لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها ، رواه
البخاري وقام حجر بن عدي فقال : أيها الناس ، سيروا إلى أمير المؤمنين ، * ( انفروا خفافا وثقالا
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون ) * [ التوبة : 41 ]
وجعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر ، وعمار
والحسن معه على المنبر حتى قال له الحسن بن علي : ويحك ! اعتزلنا لا أم لك ، ودع منبرنا ، ويقال
إن عليا بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة وأخرجه من قصر الامارة من تلك الليلة ،
واستجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر وفي دجلة ( 1 ) ، ويقال سار معه اثني
عشر ألف رجل ورجل واحد ، وقدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في
جماعة ، منهم ابن عباس فرحب بهم وقال : يا أهل الكوفة ! أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم
جموعهم ، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده ،
وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بالظلم ، ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد
إن شاء الله تعالى . فاجتمعوا عنده بذي قار ، وكان من المشهورين من رؤساء من الفاف إلى
علي ، القعقاع بن عمرو ، وسعد بن مالك ، وهند بن عمرو ، والهيثم بن شهاب ، وزيد بن
صوحان ، والأشتر ، وعدي بن حاتم ، والمسيب بن نجبة ، ويزيد بن قيس ، وحجر بن عدي
وأمثالهم ، وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوف ، فبعث علي
القعقاع رسولا إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة والجماعة ، ويعظم عليهما الفرقة
والاختلاف ، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين . فقال : أي أماه ! ما أقدمك
هامش
( 1 ) في الكامل 3 / 231 ستة آلاف ومائتان في البر ، وفي الماء ألفان وأربعمائة ( انظر الطبري 5 / 191 وفتوح ابن
الأعثم 2 / 292 ) .