من قتل ومن إخراج عثمان بن حنيف من البصرة ، وأخذهم أموال بيت المال ، جعل يقول :
اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير ، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشما ،
وليس في وجهه شعرة فقال : يا أمير المؤمنين بعثتني إلى البصرة وأنا ذو لحية ، وقد جئتك أمردا ،
فقال : أصبت خيرا وأجرا . وقال عن طلحة والزبير : اللهم أحلل ما عقدا ، ولا تبرم ما أحكما في
أنفسهما ، وأرهما المساءة فيما قد عملا - يعني في هذا الامر - وأقام علي بذي قار ينتظر جواب ما كتب
به مع محمد بن أبي بكر وصاحبه محمد بن جعفر - وكانا قد قدما بكتابه على أبي موسى وقاما في
الناس بأمره - فلم يجابا في شئ ، فلما أمسوا دخل أناس من دوي الحجبي على أبي موسى يعوضون
عليه الطاعة لعلي ، فقال : كان هذا بالأمس فغضب محمد ومحمد فقالا له قولا غليظا : فقال لهما :
والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما ، فإن لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحدا حتى نفرغ
من قتلة عثمان حيث كانوا ومن كانوا ، فانطلقا إلى علي فأخبراه الخبر ، وهو بذي قار ، فقال
للأشتر : أنت صاحب أبي موسى والمعرض في كل شئ فاذهب أنت وابن عباس فأصلح ما
أفسدت ، فخرجا فقدما الكوفة وكلما أبا موسى واستعانا عليه بنفر من الكوفة فقام في الناس
فقال : أيها الناس ، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه ، وإن
لكم علينا حقا وأنا مؤد إليكم نصيحة ، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله وأن لا تجترئوا على
أمره ، وهذه فتنة النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان خير من القاعد ، والقاعد خير من القائم
والقائم خير من الراكب ، والراكب خير من الساعي فاغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة ، واقطعوا
الأوتار ، وأووا المضطهد والمظلوم حتى يلتئم هذا الامر ، وتتجلى هذه الفتنة ، فرجع ابن عباس
والأشتر إلى علي فأخبراه الخبر ، فأرسل الحسن وعمار بن ياسر ، وقال لعمار : انطلق فأصلح ما
أفسدت ، فانطلقا حتى دخلا المسجد فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الأجدع ، فقال
لعمار : علام قتلتم عثمان ؟ فقال : علي شتم أعراضنا وضرب أبشارنا ، فقال : والله ما عاقبتم
بمثل ما عوقبتم به ، ولو صبرتم لكان خيرا للصابرين . قال : وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن
علي فضمه إليه ، وقال لعمار : يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته ؟ فقال : لم
أفعل ، ولم يسؤني ذلك ، فقطع عليهما الحسن بن علي فقال لأبي موسى : لم تثبط الناس عنا ؟ فوالله
ما أردنا إلا الاصلاح ، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شئ ، فقال : صدقت بأبي وأمي ، ولكن
المستشار مؤتمن ، سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ،
والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب " ( 1 ) وقد جعلنا الله إخوانا وحرم علينا دماءنا
وأموالنا ، فغضب عمار وسبه ، وقال : يا أيها الناس ، إنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدة أنت فيها
قاعدا خير منك قائما ، فغضب رجل من بني تميم لأبي موسى ونال من عمار ، وثار آخرون ، وجعل
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في الفتن . ( 3 ) باب نزول الفتن ح ( 13 ) ص ( 2212 ) ورواه البيهقي في
الدلائل ج 6 / 408 عن أبي بكرة .