به ، وأما مبايعتي قبل مجئ بيعة الأمصار فكرهت أن يضيع هذا الامر ، وأما أن أجلس وقد ذهب
هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه . فتريد مني أن يكون كالضبع التي يحاط بها ، ويقال ليست ها هنا ، حتى
يشق عرقوبها فتخرج ، فإذا لم أنضر فيما يلزمني في هذا الامر ويعنيني ، فمن ينظر فيه ؟ فكف عني
يا بني ، ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الامر الذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع
محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار ، فرغبت إليكم وفزعت
لما حدث ، فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا ، [ وأيدونا ] وانهضوا إلينا فالاصلاح نريد لتعود هذه
الأمة إخوانا ( 1 ) ، فمضيا ، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب ، وقام في الناس
خطيبا فقال : إن الله أعزنا بالاسلام ورفعنا به ، وجعلنا به إخوانا ، بعد ذلة وقلة وتباغض
وتباعد ، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله ، الاسلام دينهم ، والحق قائم بينهم ، والكتاب
إمامهم ، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة ،
ألا وإن هذه الأمة لابد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها ، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن . ثم عاد
ثانية فقال : إنه لابد مما هو كائن أن يكون ، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ،
شرها فرقة تحبني ولا تعمل بعملي ، وقد أدركتم ورأيتم ، فالزموا دينكم ، واهتدوا بهديي فإنه
هدى نبيكم ، واتبعوا سنته ، وأعرضوا عما أشكل عليكم ، حتى تعرضوه على الكتاب ، فما عرفه
القرآن فالزموه ، وما أنكره فردوه ، وارضوا بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن
حكما وإماما . قال فلما عزم على المسير من البربذة قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع ، فقال : يا أمير
المؤمنين أي شئ تريد ؟ وأين تذهب بنا ؟ فقال : أما الذي نريد وننوي فالاصلاح ، إن قبلوا منا
وأجابوا إليه ، قال : فإن لم يجيبوا إليه ؟ قال : ندعهم بغدرهم ونعطيهم الحق ونصبر . قال : فإن
لم يرضوا ؟ قال : ندعهم ما تركونا ، قال : فإن لم يتركونا ؟ قال : امتنعنا منهم ، قال : فنعم
إذا . فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري فقال : لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول ، والله
لينصرني الله كما سمانا أنصارا . قال : وأتت جماعة من طئ وعلي بالبربذة ، فقيل له : هؤلاء
جماعة جاؤوا من طئ منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد السلام عليك ، فقال : جزى الله
كلا خيرا * ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) * [ النساء : 95 ] قالوا : فسار علي
من الربذة على تعبئته وهو راكب ناقة حمراء يقود فرسا كميتا فلما كان بفيد ( 2 ) جاءه جماعة من أسد
وطئ ، فعرضوا أنفسهم عليه فقال : فيمن معي كفاية ، وجاء رجل من أهل الكوفة يقال له
عامر بن مطر الشيباني ، فقال له علي : ما وراءك ؟ فأخبره الخبر ، فسأله عن أبي موسى فقال : إن
أردت الصلح فأبو موسى صاحبه ، وإن أردت القتال فليس بصاحبه ، فقال علي : والله ما أريد إلا
الصلح ممن تمرد علينا . وسار ، فلما اقترب من الكوفة وجاءه الخبر بما وقع من الامر على جليته ،
هامش
( 1 ) زاد الطبري في كتابه : ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحق وغمصه .
( 2 ) فيد : بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة عامرة إلى الآن ( معجم البلدان ) .