بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) * [ الأحزاب : 25 ] . ورجع
كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل ، ولا حصل على خير ، ولا انتصر كما كان في زعمه ، بل تخلى
عنه من كان يرجو النصر منه ، وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه ، وبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا
إلى هؤلاء * ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) * [ النساء : 88 ] وتحير في أمره ماذا يصنع ؟ وإلى أين
يذهب ؟ وقد أشار عليه بعض أولي النهي من قومه حين قال : قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو
أكون مع خاقان في بلاده فقالوا : إنا نرى أن نصانع ( 1 ) هؤلاء القوم فإن لهم ذمة ودينا يرجعون إليه ،
فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا ، فهم خير لنا من غيرهم . فأبى عليهم كسرى ذلك . ثم
بعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم
الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العبا ، فجعل يخبره عن صفتهم ، وكيف يركبون الخيل
والإبل ، وماذا يصنعون ؟ وكيف يصلون . فكتب معه إلى يزدجرد : إنه لم يمنعني أن أبعث إليك
بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك
صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ، ولو جئت لنصرك أزالوني ما داموا على ما وصف لي رسولك
فسالمهم وارض منهم بالمسالمة . فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين . ولم يزل ذلك دأبه
حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه . ولما بعث الأحنف بكتاب الفتح وما أفاء
الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم ، وأنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة ، ثم ردهم الله
بغيظهم لم ينالوا خيرا . فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه ، ثم قال عمر : إن الله بعث
محمدا بالهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة ، فقال : هو الذي أرسل
رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فالحمد لله الذي أنجز وعده ،
ونصر جنده . ألا وإن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم ، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا
يضير بمسلم ، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون ،
فقوموا في أمره على وجل ، يوف لكم بعهده ، ويؤتكم وعده ، ولا تغيروا يستبدل قوما غيركم ، فإني
لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم .
وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين - : وفيها
فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة . قاله ابن إسحاق : فيقال ، إنه صالحهم على ثمانمائة
ألف درهم . وقال أبو عبيدة : فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة ، ومعه أهل الكوفة
فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد والله أعلم . وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة - بعدما كان
سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم - . وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة - وكانوا نقضوا أيضا عهد
سعد - وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة ، فكتب عمر : إن
هامش
( 1 ) في الطبري : نصالح .