بلاد خراسان . ولما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين ( 1 ) استنجد بهما لم يحتفلا بأمره ، فلما عبر
يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك ، فسار معه خاقان الأعظم ملك
الترك ، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان ، فوصل إلى بلخ واسترجعها ، وفر
عمال الأحنف إليه إلى مرو الروذ ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ
فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول
لآخر : إن كان الأمير ذا رأي فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا
حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة . فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف
بعينه ، وكان أمارة النصر والرشد ، وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج ، فقام
الأحنف في الناس خطيبا فقال : إنكم قليل وعدوكم كثير ، فلا يهولنكم ، * ( كم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) * [ البقرة : 249 ] فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولا
يدري الأحنف أين يذهبون في الليل . فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان ، فلما
كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف
فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز :
إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو يندقا
إن لها شيخا بها ملقى * بسيف أبي حفص الذي تبقى
قال : ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه ، فخرج آخر عليه طوق ومعه طبل فجعل
يضرب بطبله ، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله وأخذ
طوقه ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية . وكان من عادتهم
أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطلبه ، ثم الثاني ،
ثم الثالث ، ثم يخرجون بعد الثالث . فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث ، فأتوا على فرسانهم
مقتلين ، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير ، وقال لعسكره : قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم
بمكان لم نصب بمثله ، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير ، فانصرفوا بنا . فرجعوا إلى بلادهم
وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم ، ثم بلغهم
انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم ، وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس
ومقاتلته - ذهب إلى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كانت
دفنها بها ، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه .
وقد قال المسلمون للأحنف : ما ترى في اتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . وقد
أصاب الأحنف في ذلك ، فقد جاء في الحديث " اتركوا الترك ما تركوكم " وقد * ( رد الله الذين كفروا
هامش
( 1 ) وهما خاقان ملك الترك ، وغوزك ملك الصغد .