إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها ، فانتقل إلى خراسان فنزلها . هذا كله والنار التي
يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد ، ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم ،
وهو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه . فبينما هو ذات ليلة في
هودجه وهو نائم فيه ، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في
المخاضة ، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم ، وقال : حرمتموني أن أعلم مدة بقاء هؤلاء
في هذه البلاد وغيرها ، إني رأيت في منامي هذا أني ومحمدا عند الله ، فقال له : ملككم مائة
سنة ، فقال : زدني . فقال : عشرا ومائة . فقال : زدني . فقال : عشرين ومائة سنة . فقال :
زدني فقال لك ، وأنبهتموني ، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة .
خراسان مع الأحنف بن قيس
وذلك أن الأحنف بن قيس هو الذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد
العجم ، ويضيقوا على كسرى يزدجرد ، فإنه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال
المسلمين . فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه ، وأمر الأحنف ، وأمره بغزو بلاد خراسان .
فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد ، فدخل خراسان فافتتح هراة
عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ، ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجرد ، وبعث
الأحنف بين يديه مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى نيسابور ، والحارث بن حسان إلى سرخس .
ولما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان ، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الروذ فافتتح الأحنف مرو
الشاهجان فنزلها . وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمده ، وكتب إلى
ملك الصغد يستمده ، وكتب إلى ملك الصين يستعينه . وقصده الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ
وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان ، وقد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل
الكوفة مع أربعة أمراء ( 1 ) ، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد ترحل إلى بلخ ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد
فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي
الأحنف بن قيس ، واستخلف في كل بلدة أميرا ، ورجع الأحنف فنزل مرو الروذ ، وكتب إلى
عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها . فقال عمر : وددت أنه كان بيننا وبين خراسان
بحر من نار . فقال له علي : ولم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات
فيجتاحون في الثالثة ، فقال : يا أمير المؤمنين لان يكون ذلك بأهلها ، أحب إلي من أن يكون ذلك
بالمسلمين وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر . وقال : احفظ ما بيدك من
هامش
( 1 ) وهم : علقمة بن النضر النضري . وربعي بن عامر التميمي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال
الهمذاني ( الطبري 4 / 263 ) .