تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
دين الرسل عموما ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا ، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما ، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم ، ودان به جمهورهم ، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح ، ولا دين غيره من الأنبياء ، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة ، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما وعملا * ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، تلقى ذلك عنه المسلمون [ من أمته ] ، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد ، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل ، العلمية والعملية ، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الأصل المعلم ، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل الناس علما ودينا * وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله : " إني رسول الله إليكم جميعا " لم يكن كاذبا مفتريا ، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم ، إن كان صادقا ، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا ، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل ، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين ، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله : * ( إني رسول الله إليكم جميعا ) * [ الأعراف : 158 ] لان الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والأول يوجب أنه كان ظالما غاويا ، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا ، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان عمله ينافي جهله ، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب ، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم ، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه الله عن هذين الامرين بقوله تعالى : * ( والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) * [ النجم : 1 - 4 ] وقال تعالى عن الملك الذي جاء به : * ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) * [ التكوير : 19 - 21 ] ثم قال عنه : * ( وما صاحبكم بمجنون : ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين ، وما هو بقول شيطان رجيم ، فأين تذهبون ، إن هو إلا ذكر للعالمين ) * [ التكوير : 22 - 27 ] وقال تعالى * ( وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين ) * [ الشعراء : 192 - 195 ] إلى قوله : * ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ، تنزل على كل أفاك أثيم ، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) * [ الشعراء : 221 - 223 ] بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه ، فإن الشيطان يقصد الشر ، وهو الكذب والفجور ، ولا يقصد الصدق والعدل ، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا وإما خطأ وفجورا أيضا فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا : كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة : أقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله ، وأن يكن خطأ فمني ومن الشيطان : والله ورسوله بريئان منه ، فإن رسول الله برئ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ ، بخلاف غير الرسول فإنه قد