تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
من حلاوة الايمان والمعرفة ، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة ، ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب ، وجفاء الجافي ، وإعراض المعرض ، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود ، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي يخبرهم به اليهود ، وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة . فآمنوا به وبايعوه على هجرته ، وهجرة أصحابه إلى بلدهم ، وعلى الجهاد معه ، فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة ، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ، ولا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم ، ثم أذن له في الجهاد ، ثم أمر به ، ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها ، من الصدق والعدل والوفاء . لا يحفظ له كذبة واحدة ، ولا ظلم لاحد ، ولا غدر بأحد ، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال ، من حرب وسلم ، [ وأمن ] وخوف ، وغنى وفقر ، وقدرة وعجز ، وتمكن وضعف ، وقلة وكثرة ، وظهور على العدو تارة ، وظهور العدو تارة ، وهو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق وأتمها ، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ، ومن أخبار الكهان ، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق ، وسفك الدماء المحرمة ، وقطيعة الأرحام ، لا يعرفون آخرة ولا معادا ، فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم ، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا : ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء . وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الامرين . وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره ، وطاعة الخلق له ، وتقديمهم له على الأنفس والأموال ، مات ولم يخلف درهما ولا دينارا ، ولا شاة ولا بعيرا ، إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله ، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله ، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين ، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه ، ويخبرهم بما كان وما يكون ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويشرع الشريعة شيئا بعد شئ ، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به ، وجاءت شريعته أكمل شريعة ، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به ، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه ، لم يأمر بشئ فقيل : ليته لم يأمر به ، ولا نهى عن شئ فقيل : ليته لم ينه عنه ، وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره ، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره ، وجمع محاسن ما عليه الأمم ، فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه ، وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه ، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها ورجحانها ، وكذلك في الحدود والاحكام وسائر الشرائع ، وأمته