قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما ، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا ،
فقال عياض للوليد : إن بعض الرأي خير من جيش كثيف ، ماذا ترى فيما نحن فيه ؟ فقال له
الوليد : اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده ، فكتب إليه يستمده ، فقدم كتابه على خالد عقب
وقعة عين التمر وهو يستغيث به ، فكتب إليه : من خالد إلى عياض ، إياك أريد .
لبث قليلا تأتك الحلائب * يحملن آسادا عليها القاشب
كتائب تتبعها كتائب
خبر دومة الجندل
لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل ، واستخلف علي عين التمر عويمر ( 1 ) بن
الكاهن الأسلمي ، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم ، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ
وكلب وغسان والضجاعم ، فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم ، وعلى الضجاعم بن
الحدرجان ، وجماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك ، والجودي بن ربيعة ، فاختلفا
فقال أكيدر : أنا أعلم الناس بخالد ، لا أحد أيمن طائر منه في حرب ولا أحد منه ، ولا يرى وجه
خالد قوم أبدا ، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه ، فأطيعوني وصالحوا القوم ، فأبوا عليه ، فقال : لن
أمالئكم على حرب خالد وفارقهم ، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه ، فلما أتى به
خالدا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه ، ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودي بن
ربيعة ، وكل قبيلة مع أميرها من الاعراب ، وجعل خالد دومة بينه وبين جيش عياض بن غنم ،
وافترق جيش الاعراب فرقتين ، فرقة نحو خالد ، وفرقة نحو عياض ، وحمل خالد على من قبله ،
وحمل عياض على أولئك ، فأسر خالد الجودي ، وأسر الأقرع بن حابس وديعة ، وفرت الاعراب
إلى الحصن فملأوه وبقي منهم خلق ضاق عنهم ، فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن
فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم ، وجاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن ، وأمر بضرب
عنق الجودي ومن كان معه من الأسارى ، إلا أسارى بني كلب فإن عاصم بن عمرو والأقرع بن
حابس ، وبني تميم أجاروهم ، فقال لهم خالد : مالي وما لكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر
الاسلام ؟ فقال له عاصم بن عمرو : أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان ، ثم أطاف خالد
بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه ، واقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة ، وسبوا الذراري
فبايعوهم بينهم فيمن يزيد ، واشترى خالد يومئذ ابنة الجودي ، وكانت موصوفة بالجمال ، وأقام
بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار ، ثم رجع خالد إلى الحيرة ، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس ،
فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه : مر بنا فهذا يوم فرح الشر .
هامش
( 1 ) في الطبري : عويم .