فإن محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقالوا : ونحن
أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأنت أفضلنا وسيدنا ، وثبتوا على إسلامهم ،
وتركوا بقية الناس فيما هم فيه ، وبعث الصديق رضي الله عنه كما قدمنا إليهم العلاء بن
الحضرمي ، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير ، وجاء كل أمراء تلك
النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرمي ، فأكرمهم العلاء وترحب بهم وأحسن إليهم ،
وقد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة ، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل
منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم ،
وبقوا على الأرض ليس معهم شئ سوى ثيابهم - وذلك ليلا - ولم يقدروا منها على بعير واحد ،
فركب الناس من الهم والغم مالا يحد ولا يوصف ، وجعل بعضهم يوصي إلى بعض ، فنادى
منادي العلاء فاجتمع الناس إليه ، فقال : أيها الناس ألستم المسلمين ؟ ألستم في سبيل الله ؟
ألستم أنصار الله ؟ قالوا : بلى ، قال : فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ، ونودي
بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بالناس ، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس ،
ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس ، وجعل الناس ينظرون إلى
سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى
جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح ، فمشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا ، فما تعالى النهار حتى
أقبلت الإبل من كل فج بما عليها ، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا ، فسقوا الإبل عللا بعد
نهل . فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية ، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد
حشدوا وجمعوا خلقا عظيما - نزل ونزلوا ، وباتوا متجاورين في المنازل ، فبينما المسلمون في الليل إذ
سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين ، فقال : من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء ؟ فقام
عبد الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب ، فرجع إليه فأخبره ،
فركب العلاء من فوره والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما ، وقل من هرب منهم ،
واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم ، فكانت غنيمة عظيمة جسيمة ، وكان الحطم بن
ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما ، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم
فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول : من يصلح لي ركابي ؟ فجاء رجل ( 1 ) من المسلمين في
الليل فقال : أن أصلحها لك ، ارفع رجلك ، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه ، فقال
له : أجهز علي ، فقال : لا أفعل ، فوقع صريعا كلما مر به أحد يسأله أن يقتله فيأبى ، حتى مر به
قيس بن عاصم فقال له : أنا الحطم فاقتلني فقتله ، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال :
وا سوأتاه ، لو أعلم ما به لم أحركه ، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين ، يقتلونهم بكل مرصد
وطريق ، وذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا إليها السفن ، ثم شرع العلاء بن
هامش
( 1 ) كما في الطبري . واسمه عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم .