هل [ تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ] ؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم ، قد انتهت
بهم آجالهم ، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت ، إلا إن الله لا
شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ، ولا يصرف به عنه سوءا ، إلا
بطاعته واتباع أمره ، واعلموا أنكم عبيد مدينون ، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم
أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة ؟ .
فصل
في تنفيذ جيش أسامة بن زيد
الذين كانوا قد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام ، حيث قتل زيد بن
حارثة ، وجعفر وابن رواحة : فيغتزوا على تلك الأراضي ، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به ، وكان
بينهم عمر بن الخطاب ، ويقال : وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة ، فلما ثقل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا هنالك ، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة ، وارتد
من ارتد من أحياء العرب حول المدينة ، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق ، ولم يبق
للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة ، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد
رجوع الناس إلى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي ، وقد كانت ثقيف
بالطائف ثبتوا على الاسلام ، لم يفروا ولا ارتدوا ، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من
الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم ، لان ما جهز بسببه في حال
السلامة ، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب ، فامتنع الصديق من ذلك ، وأبى أشد
الاباء ، إلا أن ينفذ جيش أسامة ، وقال : والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أن الطير
تخطفنا ، والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش
أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة
تلك ، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم ، وقالوا : ما خرج هؤلاء من قوم
إلا وبهم منعة شديدة ، فقاموا أربعين يوما ويقال سبعين يوما ، ثم أتوا سالمين غانمين ، ثم رجعوا
فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة ، وما نعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله ،
قال سيف بن عمر : عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الامر
الذي افترقوا فيه ، قال ، ليتم بعث أسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة ، في كل
قبيلة ، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية ، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ،
لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقلتهم وكثرة عدوهم ، فقال له الناس : إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما
ترى قد انتقصت بك ، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين ، فقال : والذي نفس أبي
بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يبق في
البداية والنهاية — صفحة 335
مساهمون: ابن كثير
ص٣٣٥