تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
لأننا أخرنا عن المشورة ، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها . إنه لصاحب الغار ، وإنا لنعرف شرفه وخيره ، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي ، وهذا اللائق بعلي رضي الله عنه والذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات ، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما سنورده ، وبذله له النصيحة والمشورة ، بين يديه ، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة ، وقد ماتت بعد أبيها عليه السلام بستة أشهر ، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : لا نورث ما تركنا فهو صدقة ، كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد * وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصديق رضي الله عنه وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما روى عنه من الاحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة ، وقال سيف بن عمر التميمي عن أبي ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي ، قال نادى منادي أبي بكر من الغد من متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم بعث أسامة : ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف ، وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس إنما أنا مثلكم وإني لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ، إن الله اصطفى محمدا على العالمين ، وعصمه من الآفات ، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع ، فإن استقمت فبايعوني ، وإن زغت فقوموني ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ، وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتذوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ، وإن استطعتم أن لا يمضي إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله ، وسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم ، فإياكم أن تكونوا أمثالهم ، الجد الجد ، النجاة النجاة ، الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا ، وأجلا أمره سريع ، احذروا الموت ، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ، ولا تطيعوا الاحياء إلا بما تطيعوا به الأموات ، قال : وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه ، فأريدوا الله بأعمالكم ، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم ، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم ، أين كانوا أمس ، وأين هم اليوم ، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب ، قد تضعضع بهم الدهر ، وصاروا رميما ، قد تولت عليهم العالات ، الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم ، وصاروا كلا شئ ، إلا أن الله عز وجل قد أبقى عليهم التبعات ، وقطع عنهم الشهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبعثنا خلفا بعدهم ، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا ، وإن انحدرنا كنا مثلهم ، أين الوضاءة الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ؟ صاروا ترابا ، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم ، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ؟ قد تركوها لمن خلفهم ، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور ،