الفئتان هما أصحاب الجمل ، وأصحاب صفين ، فإنهما جميعا يدعون إلى الاسلام ، وإنما يتنازعون
في شئ من أمور الملك ، ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا ، وكان ترك القتال أولى
من فعله ، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره * وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو اليمان ،
ثنا صفوان بن عمر وقال : كان أهل الشام ستين ألفا ، فقتل منهم عشرون ألفا ، وكان أهل
العراق مائة وعشرين ألفا ، فقتل منهم أربعون ألفا ( 1 ) ، ولكن كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين
إلى الحق من أصحاب معاوية ، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم ، كما ثبت في صحيح مسلم من
حديث شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : حدثني من هو خير مني -
يعني أبا قتادة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ، تقتلك الفئة الباغية * ورواه أيضا من حديث ابن
علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقتل عمارا الفئة
الباغية ، وفي رواية : وقاتله في النار ( 2 ) * وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول
الهجرة النبوية ، وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد : لا أنالها الله شفاعتي يوم
القيامة ، فليس له أصل يعتمد عليه ، بل هو من اختلاق الروافض قبحهم الله * وقد روى
البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت : اشتكى عمار
شكوى أرق منها ، فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله ، فقال : ما تبكون ؟ أتخشون أن أموت
على فراشي ؟ أخبرني حبيبي صلى الله عليه وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية ، وأن آخر زادي في الدنيا مذقة لبن ( 3 ) *
وقال الإمام أحمد : حدثني وكيع ، ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال : قال
عمار يوم صفين : ائتوني بشربة لبن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : آخر شربة تشربها من الدنيا شربة
لبن ، فشربها ثم تقدم فقتل * وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن أبي
البختري ، أن عمار بن ياسر أتي بشربة لبن فضحك وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي : آخر
شراب أشربه لبن حين أموت ( 4 ) * وروى البيهقي من حديث عمار الدهني عن سالم بن أبي
الجعد ، عن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع
الحق ( 5 ) * ومعلوم أن عمارا كان في جيش علي يوم صفين ، وقتله أصحاب معاوية من أهل
الشام ، وكان الذي تولى قتله رجل يقال له أبو الغادية ، رجل من أفناد الناس ، وقيل : إنه
صحابي * وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر وغيره في أسماء الصحابة وهو أبو الغادية مسلم ، وقيل :
؟ سار بن أزيهر الجهني من قضاعة ، وقيل : مزني ، وقيل : هما اثنان ، سكن الشام ثم صار إلى
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 419 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الفتن ح ( 72 ) و ( 73 ) ص ( 4 / 2236 ) .
( 3 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 421 .
( 4 ) رواهما الإمام أحمد في مسنده 4 / 319 ، والحاكم في المستدرك 3 / 389 .
( 5 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 422 . والحاكم في المستدرك 3 / 391 وصححه ، ووافقه الذهبي .