الشرق . وجعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد فيدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ( 1 ) وقد ثبت
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " ألم تري أن قومك قصرت
بهم النفقة . ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا ، وأدخلت
فيها الحجر " ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت في غاية البهاء
والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل . لها بابان ملتصقان بالأرض شرقيا وغربيا . يدخل
الناس من هذا ويخرجون من الآخر . فلما قتل الحجاج بن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان
- وهو الخليفة يومئذ - فيما صنعه ابن الزبير واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه . فأمر بإعادتها إلى
ما كانت عليه فعمدوا إلى الحائط الشامي فحصوه وأخرجوا منه الحجر ورصوا حجارته في أرض
الكعبة . فارتفع باباها وسدوا الغربي واستمر الشرقي على ما كان عليه فلما كان في زمن المهدي - أو
ابنه المنصور - استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير . فقال مالك رحمه الله : إني
أكره أن يتخذها الملوك ملعبة . فتركها على ما هي عليه . فهي إلى الآن كذلك .
وأما المسجد الحرام : فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب رضي الله
عنه ، اشتراها من أهلها وهدمها فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه . فلما ولى ابن الزبير
أحكم بنيانه ، وحسن جدرانه وأكثر أبوابه . ولم يوسعه شيئا آخر . فلما استبد بالامر عبد الملك بن
مروان زاد في ارتفاع جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج . وكان الذي تولى ذلك بأمره
الحجاج بن يوسف . وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة
عند قوله : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) ( 2 ) وذكرنا ذلك مطولا مستقصى
فمن شاء كتبه هاهنا ولله الحمد والمنة .
قال ابن إسحاق : فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطلب ،
فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها :
عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت تكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد نهاب
فلما أن خشينا الزجر جاءت * عقاب تتلئب لها انصباب ( 3 )
فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنيان ليس لها حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب
هامش
( 1 ) زاد في تاريخ مكة : رفعوا بابها حتى لا تدخلها السيول ، ولا ترقا إلا بسلم .
( 2 ) سورة البقرة الآية 127 .
( 3 ) الزجر : المنع . ويروى الرجز : العذاب .