الأديان ، فضلا عن أهل الاسلام . وهذه كانت جنازته .
قال : وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور ، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها
وتكلم به الحراس على الأبرجة ، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطيب العظيم والامر
الجسيم ، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجئ منه ، حتى
من الغوطة والمرج ، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا ، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن
تفتح أوائل النهار على العادة ، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة ، فحارت
الدولة ماذا يصنعون ، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه ، وجلس عنده ،
وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب ، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق
من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية ، فجلسوا عنده يبكون ويثنون
* على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه
الله ، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته ، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه
الشيب أكثر مما فارقناه . وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل
القلعة ثمانين ختمة وشرعا في الحادية والثمانين ، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة ( إن المتقين في
جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [ القمر : 55 ] فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان
الخيران عبد الله بن المحب وعبد الله الزرعي الضرير - وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما - فابتدءا من
أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى .
ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله ، منهم
شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين والأخيار ، أهل العلم والايمان ، فما فرغ منه حتى
امتلأت القلعة وضج الناس بالبكا والثناء والدعاء والترحم ، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق
العمادية على العادلية الكبيرة ، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين ، وذلك أن سويقة باب البريد كانت
قد هدمت لتصلح ، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي ، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن
يمينها وشمالها ما لا يحصي عدتهم إلا الله تعالى ، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة
السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي
المقصورة ، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف ، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد
من السجود إلا بكلفة جو الجامع وبرى الأزقة والأسواق ، وذلك قبل أذان الظهر بقليل ، وجاء
الناس من كل مكان ، وقوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لاكل ولا لشرب ، وكثر
الناس كثرة لا تحد ولا توصف ، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف
العادة ، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما ، وهو الشيخ
علاء الدين الخراط ، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا ، واجتمعوا
البداية والنهاية — صفحة 159
مساهمون: ابن كثير
ص١٥٩