الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة ، وصار النعش على
الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر ، وتارة يقف حتى تمر الناس ، وخرج الناس من الجامع من أبوابه
كلها وهي شديدة الزحام ، كل باب أشد زحمة من الآخر ، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها
من شدة الزحام فيها ، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة : باب الفرج الذي أخرجت
منه الجنازة ، وباب الفراديس ، وباب النصر ، وباب الجابية . وعظم الامر بسوق الخيل وتضاعف
الخلق وكثر الناس ، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد
الرحمن ، فلم قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله
رحمهما الله ، وكان دفنه قبل العصر بيسير ، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين
وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم ، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو
عاجز عن الحضور ، مع الترحم والدعاء له ، وأنه لو قدر ما تخلف ، وحضر نساء كثيرات بحيث
حزرن بخمسة عشر ألف امرأة ، غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن ، الجميع يترحمن ويبكين
عليه فما قيل . وأما الرجال فحرزوا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف
وشرب جماع الماء الذي فضل من غسله ، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به ، ودفع في
الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما ، وقيل إن الطاقية
التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما . وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير ، وتضرع
وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد ، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون
عنده ويصبحون ، ورئيت له منامات صالحة كثيرة ، ورثاه جماعة بقصائد جمة .
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة ، وقدم مع
والده وأهله إلى دمشق وهو صغير ، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان
والشيخ شمس الدين الحنبلي ، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي ، والشيخ جمال الدين بن
الصيرفي ، ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب بن المقداد ، وابن أبي
الخير ، وابن علان وابن أبي بكر اليهودي والكمال عبد الرحيم والفخر علي وابن شيبان والشرف
ابن القواس ، وزينب بنت مكي ، وخلق كثير سمع منهم الحديث ، وقرأ بنفسه الكثير وطلب
الحديث وكتب الطباق والاثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين ، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه ،
ثم اشتغل بالعلوم ، وكان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه ،
فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذي كانوا في زمانه وغيره ، وكان عالما باختلاف
العلماء ، عالما في الأصول والفروع والنحو واللغة ، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية ، وما
قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه ، ورآه عارفا به
متقنا له ، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه وسقيمه ، عارفا برجاله
متضلعا من ذلك ، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع ، كمل منها جملة وبيضت
البداية والنهاية — صفحة 157
مساهمون: ابن كثير
ص١٥٧