من رآه ولم يمت : إني قد استرحت من الموت ، وإنما يرى الموت قد ذبح ، وهو قد ذبح قبل ذلك ، وقطع آرابا ثم عاد حيا ، فكيف يمتنع عنده أن يعود الموت بعد الذبح حيا ؟ فكيف يئس ( 1 ) بذبحه مع تجويز عوده ؟ فأنى لهم نفس مطمئنة ؟ أم كيف يتحققون الخلود في نار أو جنة ؟ هيهات ليست الحقائق في هذه الطرائق ، ولا تنال المعاني بالأماني ، ولا تؤخذ التحف من الصحف ، وإنما هي منقولة من الفؤاد إلى الفؤاد ، بواسطة اللسان والآذان ، ونبذ المحال ، بشد الرحال ، وأعمال المطي ، إلى المكان القصي ، وملاحظة الأعيان بالعيان ، وتحقيق القول في ذلك أن الروح تخرج ( 2 ) من الجسد في الدنيا على أنواع ، تجمعهما حالتان : إحداهما ( 3 ) : أن تنتفض البنية ، وتنفك الرتبة ، والثانية : أن تزهق الروح والبنية بحالها ، من وقص أو رفس ، ومع عمل من الآدمي كالخنق ، ولدم القلب ، ورض الأنثيين ، وغير ذلك من الأنواع الخفي على الناس وجه اتصالها بالموت ، والموت وإن اعتقده المعتقدون خروج الروح من الجسد ، وأن الروح جسم لا بد له من منفذ لصفته ( 4 ) المذكورة ، فإذا وقع الخنق ، فمن أين تخرج ( 5 ) والمنفذ مستد ؟ وإن قال : هو جسم لطيف . قلنا : اللطيف والكثيف له محله ، وسبيله بصفته ، والذي يدل عليه أن الريح التي هي شبيه ( 6 ) الروح في الحروف تأليفا ، وفي الاشتقاق وزنا ، وتصريفا ، وفي الكيفية ظنا وتخمينا ، إذا سد ( 7 ) عليها المنفذ ، لم يكن لها مخرج ، ولقد روى أن الخزانة فتحت على عاد ( 8 ) منفذ الريح في مسلك محصور مثل حلقة الخاتم ، وعتت ، حتى فعلت ما فعلت بقدرة من مكنها فتمكنت ، فأفاد أنه لا يكون سلوكها إلا على مسلك بقدر فعلها ، ومن يظن الروح لها دخول وخروج كدخول الأجسام وخروجها في المعتاد فيها ، هيهات له هيهات المدى ، بل له معنى بديع يبرزه النظر ، ويشهد له الخبر ، فإن قيل : فقد روي أن يحيى ذبح أو نشر ولم يمت :
هامش
( 1 ) ب : يأنس .
( 2 ) ج ، ز : يخرخ .
( 3 ) ج ، ز : أحدهما .
( 4 ) ب ، ج ، ز : لضيقته . وكتب على هامش ز في نسخة : لصفته .
( 5 ) . ، ز : يحرج .
( 6 ) ج ، ز : نسيب .
( 7 ) ب : شد .
( 8 ) ج : - عاد .